رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

إمبراطورية المال الخفي.. "رأس الأفعى" يكشف بنية التمويل داخل جماعة الإخوان

قيادات مكتب الإرشاد
قيادات مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان - أرشيفية

لم يكن المال داخل جماعة الإخوان مجرد مورد إداري لتسيير الأنشطة التنظيمية أو الدعوية، بل كان عبر تاريخ التنظيم أحد أهم أدوات النفوذ والتمكين، فمنذ اللحظة الأولى لتأسيس الجماعة عام 1928، أدرك مؤسسها أن المشروع التنظيمي لن يكتب له الاستمرار دون بناء قاعدة مالية قادرة على تمويل أنشطته، ومن هنا بدأ العمل المبكر على إنشاء منظومة اقتصادية متعددة المصادر، تجمع بين الاشتراكات الداخلية والتبرعات والاستثمارات الاقتصادية، إلى جانب شبكة واسعة من المؤسسات والجمعيات التي تعمل في الداخل والخارج.

ومع مرور العقود، تحولت هذه المنظومة إلى شبكة مالية معقدة تتداخل فيها الأنشطة الدعوية مع المصالح الاقتصادية، وتمتد عبر عشرات الدول، بما يشبه اقتصادًا موازيًا يخدم أهداف التنظيم السياسية والفكرية. هذه الشبكة لم تتشكل بصورة عشوائية، بل جاءت نتيجة تخطيط طويل اعتمد على تنويع مصادر التمويل، وتدوير الأموال، وإخفاء الملكية الحقيقية للأصول عبر آليات قانونية وتنظيمية معقدة. 

مصطفى مشهور وقيادات التنظيم الدولي 
مصطفى مشهور وقيادات التنظيم الدولي 

وقد طرح مسلسل "رأس الأفعى" جانبًا من هذا العالم الخفي، في ظل اقترابه دراميًا من حركة الأموال داخل الجماعة، وكيف تحولت الموارد المالية إلى أحد الأعمدة الرئيسية التي قام عليها المشروع التنظيمي، خاصة أن هذا الملف ظل لعقود محل جدل واسع في الدراسات السياسية والأمنية، فيما يتعلق بالبنية المالية للتنظيم وقدرته على بناء شبكة تمويل عابرة للحدود.

المال في فكر الجماعة

منذ السنوات الأولى لتأسيس التنظيم، أدركت قياداته أن المال يمثل عنصرًا حاسمًا في بناء القوة التنظيمية. فإلى جانب التربية الفكرية والتنظيم الهرمي المغلق، وكان لابد من وجود موارد مالية مستقرة تضمن استمرار النشاط الإخواني.

ومع توسع التنظيم وانتشاره في الداخل والخارج، تطورت هذه المنظومة تدريجيًا لتشمل مصادر تمويل جديدة، مثل التبرعات والاستثمارات الاقتصادية والشركات التجارية، فضلًا عن المؤسسات الخيرية التي لعبت دورًا مهمًا في حركة الأموال داخل الشبكة التنظيمية.

الاشتراكات الشهرية

تمثل الاشتراكات الشهرية أحد أهم المصادر المالية التقليدية داخل جماعة الإخوان. فكل عضو عامل في التنظيم ملزم بدفع نسبة من دخله لصالح الجماعة، تتراوح عادة بين 8% و10%، وفقًا للوائح المالية الداخلية.

ويطبق هذا النظام على مختلف المستويات التنظيمية، حيث يتم تحصيل الاشتراكات عبر الوحدات التنظيمية المعروفة باسم "الأسر"، ثم تنتقل إلى المستويات الأعلى داخل الهيكل التنظيمي حتى تصل إلى القيادة المركزية، وقد سمح هذا النظام بتوفير مورد مالي ثابت للجماعة، خاصة مع اتساع عدد أعضائها وانتشارهم في مختلف المحافظات. 

حسن البنا مؤسس الجماعة
حسن البنا مؤسس الجماعة

التبرعات والزكاة

إلى جانب الاشتراكات، أولت الجماعة اهتمامًا كبيرًا بجمع التبرعات والصدقات والزكاة، وقد عملت القيادات التنظيمية على توظيف المجال الخيري والديني في تعزيز الموارد المالية، عبر تشجيع المتعاطفين على تقديم الدعم المالي تحت مسميات متعددة. ومن بين الآليات التي اعتمدتها الجماعة في هذا الإطار ما عرف بـ "سهم الدعوة"، وهو نظام يقوم على مساهمة الأفراد المقتدرين بنسبة من دخولهم لدعم أنشطة التنظيم، وقد سمح هذا النظام بتدفق موارد مالية إضافية، خاصة مع انضمام رجال أعمال وتجار إلى صفوف الجماعة.

كما استفادت الجماعة من العديد من القضايا الإنسانية والسياسية في العالم الإسلامي، حيث تم توظيف حملات الإغاثة والتضامن مع بعض القضايا لجمع التبرعات من الجمهور.

المراكز الإسلامية في الخارج

مع تصاعد الضغوط السياسية داخل مصر خلال بعض المراحل التاريخية، اتجهت الجماعة إلى توسيع نشاطها خارج الحدود، خاصة في أوروبا وأمريكا الشمالية. وقد تزامن ذلك مع إنشاء عدد كبير من المراكز والجمعيات الإسلامية التي تعمل في مجالات الدعوة والثقافة والعمل الاجتماعي.

هذه المؤسسات لم تكن مجرد كيانات دينية أو ثقافية، بل لعبت دورًا مهمًا في جمع الأموال وتنظيم الأنشطة المالية داخل الجاليات المسلمة، فقد اعتمدت على التبرعات والاشتراكات والمنح التي تقدمها بعض الجهات الداعمة للعمل الخيري. وبمرور الوقت، أصبحت هذه الشبكة من المؤسسات جزءًا من البنية المالية للتنظيم الدولي، حيث يتم من خلالها جمع الأموال وإعادة توجيهها لدعم مشروعات وأنشطة مختلفة.

الاستثمار الاقتصادي

لم تقتصر استراتيجية الجماعة المالية على جمع الأموال، بل امتدت إلى العمل على تنميتها وتدويرها عبر مشاريع اقتصادية متنوعة. فقد أنشأت الجماعة منذ مراحل مبكرة شركات ومصانع تعمل في مجالات التجارة والصناعة والخدمات، وخلال السبعينيات والثمانينيات، شهدت هذه الأنشطة توسعًا ملحوظًا، مع ظهور عدد من رجال الأعمال المرتبطين بالتنظيم، وقد ساهم هؤلاء في تأسيس شركات ومؤسسات اقتصادية في مجالات متعددة، مثل التعليم الخاص والرعاية الصحية والتجارة. كما ظهرت استثمارات في قطاعات أخرى مثل تكنولوجيا المعلومات والطباعة والنشر، وهو ما ساهم في تعزيز الموارد المالية للجماعة وتوفير مصادر دخل مستمرة.

الإخوان في الغرب
الإخوان في الغرب

الشبكات الاقتصادية في الخارج

بالتوازي مع توسع التنظيم الدولي، ظهرت شبكة من الشركات والمؤسسات الاقتصادية المرتبطة بالجماعة في عدد من الدول. وقد شملت هذه الشبكة شركات تجارية ومؤسسات مالية تعمل في مجالات مختلفة. واستفادت هذه الكيانات من البيئة القانونية في بعض الدول التي تسمح بقدر كبير من السرية المالية، وهو ما وفر للتنظيم مساحة لإدارة أصوله المالية بعيدًا عن الرقابة المباشرة. كما ظهرت شركات "أوفشور" في بعض المناطق التي توفر تسهيلات مالية وقانونية، وهو ما ساعد في نقل الأموال وإعادة تدويرها عبر قنوات متعددة.

وعلى سبيل المثال تأسست في أوروبا عدد من المنظمات لهذه الأهداف والتوجهات نفسها، وقامت بجمع الأموال من خلال اشتراكات الأعضاء والتبرعات والهبات من المواطنين الأوروبيين، ومنها مركز الثقافة الاجتماعية للمسلمين في لوزان بسويسرا وتم تأسيسه عام 2002، ومؤسسة التأثير الثقافي والاجتماعي التي أنشئت عام 2010، واتحاد مسلمي سويسرا وتم إنشاؤها عام 2006.

بجانب كل من مؤسسة "ماس"  و"كير"، و"اسنا"، وهي مؤسسات شرعية تمثل جماعة الإخوان في الولايات المتحدة الأمريكية، كما يوجد في أمريكا منظمة الشباب المسلم، ويعتمد الإخوان على هذه المؤسسات في جمع الأموال.

كما أسس التنظيم الدولي "منظمة الإغاثة الإسلامية" في ثمانينات التي تعد من أبرز تلك المؤسسات الإخوانية في عملية جمع الأموال من مختلف دول العالم، إذ يمتد نشاطها بحوالي 40 دولة حول العالم، وأوضحت الكثير من التقارير الدولية أنها من أبرز روافد تمويل الإرهاب الإخواني في العالم.

وكانت السلطات المصرية رفضت إنشاء فرع لمنظمة "الإغاثة الإسلامية" داخل القاهرة، خلال مرحلة الرئيس الأسبق حسني مبارك، ما دفعهم لتوظيف لجنة "الإغاثة الاسلامية" بنقابة الاطباء المصرية، واتحاد الأطباء العرب الذين سيطروا عليه في توظيف تلك اللجنة كبديل لفرع المنظمة داخل القاهرة.

وأشرف على عمل تلك اللجنة الدكتور أحمد الملط، نائب مرشد الإخوان حينها، وعبدالمنعم أبوالفتوح، وأشرف عبدالغفار، أمين عام مساعد نقابة الأطباء سابقاً وأحد المتهمين في قضية غسيل أموال التنظيم الدولي للإخوان.

مؤسسة “كير” في الولايات المتحدة الأمريكية 
مؤسسة “كير” في الولايات المتحدة الأمريكية 

الملكية المالية

من السمات البارزة في إدارة الأموال داخل الجماعة اعتمادها على نظام الملكية المزدوجة للأصول الاقتصادية، ففي كثير من الحالات يتم تسجيل الشركات أو الممتلكات باسم أفراد مقربين من التنظيم، بينما تبقى الملكية الحقيقية للجماعة. ويعرف هذا الأسلوب داخل التنظيم باسم "أوراق الضد"، وهي صيغة قانونية تسمح بإثبات الملكية الحقيقية في حال النزاع، مع إبقائها بعيدة عن الظهور الرسمي. وقد استخدم هذا الأسلوب على نطاق واسع منذ ثمانينيات القرن الماضي، خاصة في ظل المخاوف من مصادرة الممتلكات أو التعرض لملاحقات قانونية.

فمنذ ثمانينات القرن الماضي، اعتمدت جماعة الإخوان، في مؤسساتها الاقتصادية بما يسمى "أوراق الضد"، كصيغة قانونية للهروب من شبح المصادرة المالية في حال الصدام مع النظام السياسي، عن طريق إخفاء تبعية بعض الكيانات الاقتصادية، ونقل ملكية شركاتها ومؤسساتها لرجال أعمال على مقربة من التنظيم، على أن تمتلك الجماعة النصيب الأكبر من أسهمها، أو تكون بالمناصفة، ويتم توجيه نسبة كبيرة من أرباحها للمساهمة في تمويل انشطتها داخل مصر وخارجها.

التمويل الخارجي 

تشير العديد من الدراسات إلى أن بعض المؤسسات المرتبطة بالجماعة حصلت على تمويلات من جهات خارجية لدعم مشاريع ثقافية وتعليمية واجتماعية، وغالبًا ما كانت هذه التمويلات تمر عبر مؤسسات وسيطة، وهو ما يزيد من تعقيد تتبع مسارات الأموال، وقد ساهم هذا النمط من التمويل في تعزيز الموارد المالية للتنظيم، لكنه في الوقت نفسه أثار جدلًا واسعًا حول طبيعة العلاقات المالية بين الجماعة وبعض الجهات الدولية والتي تدور في نطاق العمالة من أجل أهداف ضد مشاريع الدولة ومؤسساتها.

امتلك التنظيم الدولي عددًا من الشركات والمؤسسات الاقتصادية في قارات العالم المختلفة وأشرف عليها رجال التنظيم الدولي، ومن أبرزهم إبراهيم كامل مؤسس بنك "دار المال الإسلامي "(DMI)، ومقره الرئيسي في ناساو بجزر البهاما، كما أنشأ كل من يوسف ندا، وهمت غالب وآل يوسف القرضاوي "بنك التقوى"، والذي تم إغلاقه عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، والذي كان مقره أيضًا في ناساو بجزر البهاما، وبالمثل أسس إدريس نصر الدين ، "بنك العقيدة الدولي" و"بنك أكيدا الدولي"، في ناساو بجزر البهاما، في "ناسو".

إبراهيم الزيات وزير مالية التنظيم الدولي
إبراهيم الزيات وزير مالية التنظيم الدولي

حول الإخوان هذه الشبكة من الشركات المصرفية وشركات التأمين والشركات البحرية، كغطاء لفتح حسابات مصرفية وتسهيل عمليات نقل وغسيل الأموال، بسبب صعوبة تتبع مسارات هذه الأموال المحمية بموجب قوانين السرية المصرفية؛ بالإضافة لعدة شركات عبر القارة الأوروبية منها شركة (Stahel Hardmeyer AG in Nachlassliquidation )، والتي تأسست في مارس 1967، ويتخطى رأس مالها 18٫3 ملايين فرنك سويسري، وتعمل الشركة في مجال تجارة الجملة والمنسوجات القطنية، ولديها عدد من الشركات التابعة في عدد من الدول، منها بريطانيا وجزر العذارى البريطانية، وشركة (BS Altena AG) ، وتم تأسيسها في 2010 وتعمل في مجال العقارات طويلة الأجل، ووفقا  لتقرير نشره مركز المساعدة والدراسات الإستراتيجية بواشنطن.

نجح الإخوان بالتوازي مع بداية ظاهرة "البنوك الإسلامية" الحديثة، في بناء هيكل متين من شركات "الأوف شور"، التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من قدرتها على إخفاء ونقل الأموال حول العالم، فهي شركات يتم تأسيسها في دولة أخرى غير الدولة التي تمارس فيها نشاطها، وتتمتع هذه الشركات بغموض كبير يجعلها بعيدة عن الرقابة.

وتنتشر الشبكة المالية للإخوان من الشركات القابضة والتابعة، والمصارف الصورية، وغيرها من المؤسسات المالية، في بنما وليبيريا، وجزر فيرجن البريطانية، وجزر كايمان، وسويسرا وقبرص ونيجيريا، والبرازيل والأرجنتين وباراجواي.

الصراع حول إدارة الأموال

على الرغم من وجود لوائح مالية داخل الجماعة، فإن إدارة الموارد المالية ظلت محاطة بدرجة كبيرة من السرية، وقد أدى ذلك في بعض الأحيان إلى ظهور خلافات داخلية وانتقادات من بعض الأعضاء السابقين، الذين تحدثوا عن غياب الشفافية في إدارة الأموال.

كما أشار بعض المنشقين عن الجماعة إلى أن القيادات العليا كانت تتحكم في المعلومات المتعلقة بحجم الموارد المالية وأوجه إنفاقها، وهو ما جعل هذا الملف من أكثر الملفات حساسية داخل التنظيم، وتكشف دراسة البنية المالية لجماعة الإخوان أن التنظيم لم يعتمد فقط على الخطاب الأيديولوجي أو النشاط السياسي في بناء نفوذه، بل أسس منذ وقت مبكر منظومة مالية واسعة ومتعددة المصادر. هذه المنظومة، التي تجمع بين الاشتراكات الداخلية والتبرعات والعمل الخيري والاستثمارات الاقتصادية، شكلت ركيزة أساسية لاستمرار التنظيم عبر عقود.

كما أن امتداد هذه الشبكة خارج الحدود، عبر مؤسسات اقتصادية وجمعيات ومراكز إسلامية في عدد من الدول، منح الجماعة قدرة كبيرة على الحركة والتأثير، وقد ساعدت آليات مثل الملكية الخفية للأصول والشركات العابرة للحدود في تعقيد تتبع حركة الأموال داخل هذه الشبكة.

ومنذ سقوط حكم المرشد في يونيو 2013، وتصنيف الجماعة على قوائم الإرهاب، ومصادرة ممتلكاتها قضائيا، عقب تورطها في تمويل الأنشطة الإرهابية، مازلت الأجهزة الأمنية المصرية تكتشف العديد من الشركات والمؤسسات التي تتبع بشكل مباشر التنظيم الإخواني، وتعتبر مصدرا مهما لنقل الأموال عبر طرق متعددة وملتوية لإخفاء هويتها الحقيقية وولائها للإخوان وأعوانهم.

وبالتالي يأتي مسلسل "رأس الأفعى" ليعيد تسليط الضوء على هذا الملف الشائك، ويقرب إلى الرأي العام صورة من الواقع المعقد لحركة الأموال داخل التنظيم. ففهم هذه البنية المالية لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمثل مدخلًا مهمًا لفهم طبيعة المشروع التنظيمي للجماعة، وكيف استطاعت عبر الزمن بناء شبكة مالية واسعة ساعدتها على الاستمرار والتوسع في الداخل والخارج.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء