سهام طهران العابرة| صواريخ «إيران» الباليستية تهدد الشرق الأوسط وأوروبا
تتواصل تداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط مع استمرار الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية، ما يعيد تسليط الضوء على القدرات العسكرية لطهران، خصوصا برنامجها الصاروخي الباليستي الذي تطور على مدى عقود وأصبح مصدر قلق متزايد في المنطقة وخارجها.
وواصلت الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية استهداف منشآت الطاقة الحيوية وأهداف أخرى في دول الخليج والشرق الأوسط الأوسع نطاقا، بعد مرور ما يقرب من ثلاثة أسابيع على اندلاع الحرب.
ويأتي ذلك في ظل امتلاك إيران، قبل اندلاع الحرب، أكبر مخزون من الصواريخ الباليستية في الشرق الأوسط، وفقا لمكتب مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية.

خصائص الترسانة الصاروخية الإيرانية
أفادت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية بأن الترسانة الصاروخية تضمنت أنواعا متعددة من الصواريخ يصل مداها إلى نحو 2000 كيلومتر، بما يمكنها من ضرب أهداف داخل إسرائيل، فيما تصل سرعتها إلى نحو 17 ألف كيلومتر في الساعة. ومن بين الصواريخ التي استخدمت في الهجمات صواريخ مزودة برؤوس حربية عنقودية، يصعب على منظومات الدفاع الصاروخي الإسرائيلية اعتراضها أو تحييدها.
حجم المخزون وتقديراته
لا يزال الحجم الحقيقي للمخزون الصاروخي الإيراني قبل الحرب غير واضح، إذ تراوحت التقديرات بين نحو 2500 صاروخ بحسب تقديرات الجيش الإسرائيلي، وما يقرب من 6000 صاروخ وفق تقديرات محللين آخرين. وتشير جمعية الحد من التسلح إلى أن برنامج الصواريخ الإيراني يعتمد بدرجة كبيرة على تصاميم كورية شمالية وروسية، مع استفادته كذلك من المساعدة الصينية، قبل أن يتطور تدريجيا نحو التصنيع المحلي.
مواقع الصواريخ الإيرانية
تقع العديد من مواقع الصواريخ الإيرانية في العاصمة طهران ومحيطها، إضافة إلى وجود ما لا يقل عن خمس "مدن صواريخ" تحت الأرض في محافظات مختلفة، من بينها كرمانشاه وسمنان، وكذلك في مناطق قريبة من الخليج.
وفي عام 2020، أطلقت إيران صاروخا باليستيا من تحت الأرض للمرة الأولى، وفق تقرير صدر عام 2023 عن بهنام بن طالبلو، الزميل البارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات الأمريكية.

الطائرات المسيرة وقدرات الإنتاج
لا تقتصر القدرات العسكرية الإيرانية على الصواريخ الباليستية، إذ تعد إيران أيضا أحد أبرز المنتجين للطائرات بدون طيار. ووفقا لمركز مرونة المعلومات، تمتلك إيران قدرة صناعية تمكنها من إنتاج نحو 10 آلاف طائرة مسيرة شهريا، وكانت من الدول الرائدة في تطوير طائرات "شاهد" المسيرة، التي تمثل بديلا أقل تكلفة بكثير مقارنة بالصواريخ الباليستية، وقد باعت كميات كبيرة منها إلى روسيا لاستخدامها في الحرب في أوكرانيا.
أعلنت المتحدثة باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، إيلا واوية، أن النظام الإيراني أطلق هذا الأسبوع، وللمرة الأولى منذ بدء عملية "زئير الأسد"، صاروخا بعيد المدى باتجاه الجنوب، بلغ مداه نحو 4000 كيلومتر. وأضافت أن الجيش الإسرائيلي كشف خلال عملية "الأسد الصاعد" في يونيو 2025 عن نية إيران تطوير صواريخ يصل مداها إلى 4000 كيلومتر، ما قد يشكل تهديدا لعشرات الدول في أوروبا وآسيا وأفريقيا.

المخاوف الأوروبية والقدرات المستترة
ورغم ذلك، لا تزال القدرات العسكرية الإيرانية غير معروفة بالكامل بعد الحرب التي استمرت 12 يوما في يونيو الماضي، والتي شهدت استهداف الولايات المتحدة وإسرائيل لقواعد إطلاق الصواريخ الإيرانية. وقد أعاد الإطلاق الصاروخي الإيراني الأخير باتجاه قاعدة دييغو غارسيا، الواقعة على مسافة تقارب 4000 كيلومتر، إحياء مخاوف استخباراتية أوروبية قديمة تشير إلى أن الجمهورية الإسلامية تمتلك ترسانة صاروخية تتجاوز بكثير ما تعلنه رسميا.
تطوير صناعة الصواريخ الإيرانية
وعلى مدى عقود، تمكنت إيران من بناء صناعة صواريخ باليستية مستقلة نسبيا، بدأت اعتمادا على تقنيات مستمدة من دول مثل كوريا الشمالية وليبيا وسوريا، قبل أن تتطور تدريجيا نحو التصنيع المحلي المتقدم. ولعب المهندسون الإيرانيون دورا محوريا في هذا التطور عبر تحسين النماذج الصاروخية بشكل متواصل، ما ساهم في توسيع مداها ليصل إلى ما بين مئات الكيلومترات وعدة آلاف منها.
الربط بين برنامج الفضاء والصواريخ العابرة للقارات
ومنذ مطلع الألفية الثانية، حذرت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية من الارتباط الوثيق بين برنامج الفضاء الإيراني وإمكانية تطوير صواريخ باليستية عابرة للقارات، إذ تستخدم عمليات إطلاق الأقمار الصناعية غطاء لتطوير تقنيات ذات استخدام مزدوج تسمح لطهران بالالتفاف على القيود الدولية المفروضة عليها.
صواريخ "سجيل" والتهديد الأوروبي
تأتي عائلة صواريخ "سجيل" في مقدمة الأنظمة التي تثير القلق الغربي، وهي صواريخ ثنائية المرحلة تعمل بالوقود الصلب، صممت محليا في إيران لكنها تتضمن مكونات تقنية أجنبية، ويقدر المدى الأقصى لهذه الصواريخ بنحو 4000 إلى 4800 كيلومتر، ما يمنحها نظريا القدرة على استهداف عواصم أوروبية رئيسية مثل فيينا وبرلين، رغم أن نشرها يواجه تحديات لوجستية وتقنية، كما أن مسارها الجوي يجعلها أكثر عرضة للرصد المبكر مقارنة بأنواع أخرى من الصواريخ.

تعزيز الدفاعات الأوروبية
في مواجهة هذا التهديد المتصاعد، تسارع الدول الأوروبية إلى تعزيز منظومات الدفاع الجوي والصاروخي لديها. فقد أقدمت ألمانيا على شراء منظومة "آرو 3" الإسرائيلية المتطورة، المصممة لاعتراض الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، وتشمل منظومات الدفاع الجوي المستخدمة حاليا أنظمة متعددة المستويات مثل "آرو 3" و"ثاد"، إلى جانب أنظمة الدفاع المتوسطة والقصيرة المدى مثل "باتريوت" و"إس-300" و"إس-400"، إضافة إلى أنظمة الدفاع النقطي مثل "القبة الحديدية".
التحديات الاستراتيجية الجديدة
تكمن التحديات الأساسية أمام هذه المنظومات في قدرتها على التمييز بين الرؤوس الحربية الحقيقية وتلك الخداعية، إضافة إلى تتبع المسارات الباليستية المعقدة واعتراض الصواريخ في اللحظات الحاسمة قبل وصولها إلى أهدافها. وفي ظل هذه المعادلة الاستراتيجية الجديدة، لم تعد المواجهة الصاروخية محصورة في جغرافية الشرق الأوسط، بل باتت تعكس تحولا جيوسياسيا أوسع، ما يفرض على أجهزة الاستخبارات والدفاع في أوروبا وحلفائها تحديات أمنية متزايدة تتطلب تنسيقا أكبر واستثمارا مستمرا في القدرات الدفاعية والتكنولوجية.