رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

لا يبدو في الأفق القريب ولا المتوسط نهاية لهذه الحرب، فقد تعودنا على أن الحشد العسكري في الحروب لا يتم من أجل النزهة، وإنما من أجل تنفيذ مهمة أو هدف محدد، ومع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب شهدنا استمرارًا لغلق مضيق هرمز، مما أثر على سوق الطاقة العالمية، بالإضافة إلى الضربات الجوية والصاروخية التي طالت مصادر إنتاج الطاقة الإيرانية (حقل بارس للغاز الطبيعي ومصفاة عسلوية لإنتاج الغاز)، وفي المقابل شهدت دول الخليج قصفات صاروخية استهدفت مصادر إنتاج الغاز والنفط في (الإمارات - قطر - البحرين - السعودية - الكويت)، وتجاه إسرائيل (مصفاة حيفا - ومصنع البتروكيماويات في حيفا)، حيث سبق أن أعلنت إيران أنه إذا استُهدفت مصادر إنتاج الطاقة لديها فسوف تستهدف جميع مصادر إنتاج الطاقة في المنطقة، وخاصة التي تشرف عليها شركات أمريكية، وهنا يجب الإشارة إلى أن من بدأ هذا التصعيد تجاه مصادر الطاقة هي إسرائيل، في إطار الرغبة في تأجيج حدة الصراع وعدم إنهائه، ومنع ترامب من إيقاف الحرب بطريقة مفاجئة.

ومن هنا، وعلى الرغم من فارق التفوق في القدرة العسكرية والتكنولوجية للولايات المتحدة وإسرائيل، فما زالت إيران تتمتع بصمود كبير في الصراع، لا سيما بعد إغلاقها مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي يمر عبره 20٪ من نفط العالم سنويًا، ويُعقّد هذا الإجراء أي انسحاب أمريكي محتمل، مما يصعّب الانسحاب الكامل أو إعلان النصر في ظل المخاطر التي تهدد الأسواق العالمية.

وغلق مضيق هرمز صاحبه العديد من العوامل التي مست الهيبة الأمريكية، فقد رفضت الدول الأوروبية مطالب ترامب بالاشتراك في تأمين مضيق هرمز، مما جعله يصف شركاءه الأوروبيين بالجبناء، ومع نجاح إيران في الصمود وغلق المضيق رغم ما تكبدته من خسائر في القوات البحرية الإيرانية، إلا أنها ما زالت لديها من عوامل القوة والقدرة التي تؤهلها لاستمرار غلق المضيق، ويعد أبرزها: أن عرض المضيق في أضيق نقطة نحو 33 كيلومترًا فقط، بينما لا يتجاوز عرض الممرات الملاحية المخصصة للسفن نحو 3 كيلومترات لكل اتجاه، مما يجعله شديد الحساسية لأي توتر عسكري، ووفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، يمر عبر المضيق يوميًا نحو 20 مليون برميل من النفط والسوائل النفطية، أي ما يعادل قرابة 20٪ من الاستهلاك العالمي للطاقة النفطية، ونحو 30٪ من تجارة النفط المنقول بحرًا في العالم، ولا يقتصر الأمر على النفط، إذ يمر عبره أيضًا نحو 20٪ من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، خصوصًا صادرات قطر إلى الأسواق الآسيوية.

وتبرز في هذا السياق سيطرة إيران على عدد من الجزر المسيطرة على مضيق هرمز، والتي تتيح لها إحكام السيطرة على المضيق، وهي: جزر قشم وهرمز ولارك عند المدخل الشرقي المباشر للمضيق، فيما تقع جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى - وهي جزر تسيطر عليها إيران - عند المدخل غربًا، مما يسمح لإيران بتوسيع نطاق المراقبة شرقًا وغربًا، بحيث لا يبدأ الرصد من هرمز وحده بل من الممرات المؤدية إليه داخل الخليج.

وإلى جانب الجزر البحرية وما تحققه لإيران من أهمية استراتيجية، تعتمد إيران على استراتيجية بحرية مكونة من عدة عناصر، فإلى جانب الزوارق السريعة المسلحة، تمتلك إيران أسطولًا من الغواصات الصغيرة المصممة للعمل في المياه الضحلة في الخليج العربي، والقادرة على زرع الألغام أو إطلاق الطوربيدات في الممرات الضيقة، كما تنشر منظومة واسعة من الصواريخ المضادة للسفن على الساحل والجزر، وتدعم هذه المنظومة شبكة من الطائرات المسيّرة البحرية والاستطلاعية، بينها طائرات من عائلة "شاهد" و"مهاجر"، تُستخدم للمراقبة والاستطلاع وربما لتنفيذ هجمات محدودة.

ولهذا تقوم المعادلة الاستراتيجية في هرمز على توازن دقيق بين القدرة على التعطيل والقدرة على إعادة فتح الممر، فإيران، بحكم موقعها الجغرافي وانتشارها على الساحل والجزر، تستطيع رفع مستوى المخاطر على الملاحة في مضيق هرمز وفرض اضطراب مؤقت في حركة الطاقة العالمية، وفي المقابل تمتلك الولايات المتحدة وحلفاؤها القدرة البحرية والجوية اللازمة لإعادة تأمين الممر في حال التصعيد.

ما يعنينا في هذا الإطار ما تخطط له واشنطن لإعادة هيبتها، وهو فتح وتأمين مضيق هرمز دون الاستعانة بالحلفاء الأوروبيين، وهو ما يعد مخاطرة شديدة، فكما أسلفنا، إيران أعدت العدة لهذا الموقف وخزنت العديد من الأسلحة والألغام في الجزر المسيطرة على المضيق في إطار مخطط دفاعي قوي، ولذلك سيتعين على واشنطن التحضير والتجهيز لعملية برية كبيرة تبدأ بالاستيلاء على جزء من الساحل البري للخليج وتحييد الصواريخ الساحلية لتأمين سفنها البحرية، وهي عملية لن تكون نزهة للقوات الأمريكية، بل إن خسائرها المتوقعة ستكون كبيرة.

وأفادت تقارير عسكرية أن البنتاجون أمر في 18 مارس 2026 بتحريك الفرقة 31 مشاة بحرية المتمركزة عادة في اليابان (أوكيناوا) إلى الشرق الأوسط، وتضم الوحدة حوالي 2200-2500 من مشاة البحرية، وتتكون من أربعة عناصر رئيسية: عنصر القيادة، والعنصر البري كتيبة مشاة، ويُضاف إليهم المدفعية والاستطلاع والمهندسون القتاليون، وعنصر جوي يضم إما مروحيات أو طائرات "إف-35"، وعنصر لوجستي.

ووفقًا لوثائق سلاح مشاة البحرية، تتركز مهام الوحدة 31 على الهجوم البرمائي، والغارات البرمائية، وعمليات الاعتراض البحري والتفتيش والمداهمة والمصادرة، وعمليات إجلاء غير المقاتلين والمساعدة الإنسانية، والعمليات الجوية من قواعد برية استكشافية، وأنشطة التعاون الأمني في المسرح العملياتي، والسيطرة على المطارات والموانئ و3 سفن برمائية هجومية، لتعزيز الردع في مضيق هرمز، مما يعكس توترًا إقليميًا في ظل تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، مع استمرار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وتزايد المخاوف من اتساع نطاق الصراع.

كما نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤولين أمريكيين أن هذا التحرك يتزامن مع إرسال حاملة الطائرات الأمريكية "بوكسر"، ووحدة مشاة بحرية وعددهم 4500 عنصر، إلى جانب قطع بحرية مرافقة، دون الكشف عن المهام التي ستكلف بها تلك القوات الإضافية.

وفي التقدير أن هذا التجميع القتالي سوف تقع على عاتقه مهمة الاستيلاء على الجزر المسيطرة على مضيق هرمز لتأمين عبور السفن، وجزيرة خارك التي تمد إيران بـ 40٪ من دخلها النفطي وتُصدر منها 94٪ من النفط الإيراني، وذلك للمقايضة على فتح المضيق ومرور ناقلات النفط، وبتحقيق ذلك يمكن أن يعلن ترامب الانتصار ويوقف هذه الحرب، إلا أن هذا السيناريو سيقابل بمقاومة شديدة من إيران، ومن ثم فإن هذه العمليات سوف تأخذ فترة زمنية كبيرة، حيث إن الساحل الإيراني والجزر مجهزة مسبقًا لمثل هذه العمليات، ولا يُستبعد أن تتكبد القوات الأمريكية خسائر كبيرة في إطار هذه العملية، مما قد يعرقل استكمال المهمة.

ختامًا، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن نصر واضح لمهمة واضحة مثل إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة العالمية في إطار عملية خاصة تعكس القوة والقدرة العسكرية الأمريكية المتفوقة، ولا يُستبعد أيضًا في هذا الإطار أن يكون الهدف توجيه الأنظار إلى مضيق هرمز، بينما الهدف الرئيسي هو تنفيذ عملية خاصة للاستيلاء على اليورانيوم المخصب التي تحتفظ به إيران حال التأكد من مكانه، وفي هذه الحالة تكون واشنطن قد حققت هدفًا ثمينًا يمكن البناء عليه في إعلان النصر والدخول في مفاوضات لوقف إطلاق النار وفرض الشروط على إيران، وهو ما سيقلق إسرائيل التي تعارض أي اتفاق مع إيران يُفضي إلى استمرار النظام الإيراني تحت أي مسمى وفي إطار أي اتفاق، لأن نتنياهو سيعتبر هذا فشلًا في تحقيق أهداف الحرب التي بدأتها إسرائيل، وهو ما من شأنه إنهاء مستقبله السياسي، لأن الانتخابات التشريعية ستُعقد في أكتوبر 2026، وسيدخلها نتنياهو محملًا بعبء الفشل في هذه الحرب وجلب الدمار إلى العديد من المدن الرئيسية في إسرائيل، مما يقلل من فرص نجاح ائتلافه في الانتخابات القادمة، وبالمثل ينطبق ذلك على الرئيس ترامب الذي أمامه الانتخابات النصفية للكونجرس، وتفيد استطلاعات الرأي الأمريكية أن حظوظ الجمهوريين في هذه الانتخابات أصبحت ضعيفة، ومن المعروف أن من يسيطر على مجلس النواب أو مجلس الشيوخ يسيطر على البرنامج السياسي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء