رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

صابر نجل عم العريس يروي لـ«إيجبتك»: أشرف كان ينتظر الفرحة منذ 30 عامًا

خطفه الموت في كوشة الفرح: أشرف عاش يتيمًا... ومات وحيدًا في حضرة الزغاريد | خاص

العريس المتوفى
العريس المتوفى

ليلة كان من المفترض أن تكون أسعد ليالي العمر، ليلة لطالما حلم بها الشاب أشرف، وانتظرها بصبر السنين الثقيلة، تحولت في لحظات إلى مأساة هزّت مدينة كوم أمبو بمحافظة أسوان، وسط الزغاريد والأنوار التي تزين القاعة، سقط العريس سريعًا، وانطفأت معه كل الأضواء، وتحولت دموع الفرح إلى نحيب، وتبدل رقص الأحباب إلى صرخات، وبدلاً من أن تزف العروس إلى بيت الزوجية، زُف العريس إلى مثواه الأخير.

قصة أشرف ليست مجرد خبر عابر عن مأساة جديدة، بل هي رحلة كفاح طويلة لرجل حرمته الأقدار من دفء الأهل منذ نعومة أظافره، لكنه لم يستسلم، عاش يتيمًا، كابد الحياة وحيدًا، وصارع الزمن وظروفه من أجل أن يصنع لنفسه مستقبلًا، ولو في وقت متأخر من العمر، كان يحلم ببيت دافئ، بزوجة تؤنس وحدته، بأسرة تعوضه عن سنوات الوحدة والحرمان، لكن كل شيء انتهى فجأة، قبل أن يبدأ.

اثناء عقد الزواج 
اثناء عقد الزواج 

أشرف.. مات وحيدًا كما عاش وحيدًا.. نهاية صادمة لعريس خمسيني

"أشرف مات في الكوشة"، هكذا بدأ الشاب صابر عطا، نجل عم العريس، حديثه لـ «إيجبتك»، وهو لا يزال تحت وقع الصدمة، فالصورة لا تفارق مخيلته، ولا يزال صوت الصراخ يرن في أذنه، يحكي صابر بمرارة، ويكاد صوته يختنق في كل كلمة، فيقول: "ابن عمي أشرف، اتيتم بدري، والده توفاه الله وهو في إعدادي، وبعدها بكام سنة أمه ماتت، ومن وقتها وهو لوحده في الدنيا، لا إخوات، ولا سند، ولا حد يحنو عليه، اشتغل نقاش وهو شاب صغير، وكان بيكافح علشان يعيش بشرف".

كان أشرف، رغم ضيق الحال، رجلًا طيب السيرة، يعرفه كل أهل المنطقة بابتسامته الهادئة ويده النظيفة، لم يتذمر يومًا، ولم يمد يده لأحد، بل كان مثالًا للرضا، يتعامل مع الجميع بود وتواضع، حتى صار محبوبًا في الحي الذي يسكنه. 

لم يكن يتحدث كثيرًا عن معاناته، لكنه كان يتمنى أن ينجب أطفالًا يعوضونه عن يتمه، وكان يرى في الزواج بداية جديدة، ونهاية لوحدة دامت أكثر من ثلاثة عقود.

أشرف عاش يتيمًا.. ومات وحيدًا في حضرة الزغاريد

ويتابع صابر حديثه بصوت خافت: "لما قرر يتجوز، كنا فرحانين جدًا له، هو عمره ما طلب حاجة من حد، ولا شاف فرحة حقيقية في حياته، جهز نفسه على قد حاله، وأهل العروسة كانوا طيبين ومتفاهمين، ووقفوا معاه، وقرروا يعملوا الفرح في قاعة بسيطة هنا في كوم أمبو، عشان الكل يشارك ويوم الفرح كان مبسوط بطريقة مشوفتهاش عليه قبل كده، لبس بدلته وقعد على الكوشة، وسط الناس اللي بتحبه، وفجأة... وقع".

الصمت يخيم على الغرفة التي يجلس فيها صابر، العيون دامعة، والقلوب ثقيلة، والحديث عن تفاصيل اللحظات الأخيرة لا يقل صعوبة عن عيشها مرة أخرى. "الناس افتكرت في الأول إنه تعب شوية، أو جاله هبوط، بس لما حاولنا نصحيه ملقيناهش بيرد. الإسعاف جت بسرعة، بس قالوا إن قلبه توقف، مش قادر أصدق إنه مات وإحنا حوالين منه بنزغرد".

ما حدث في تلك الليلة لم يكن مجرد وفاة طبيعية، بل كان زلزالًا ضرب قلوب الحاضرين جميعًا، وترك جرحًا لن يلتئم بسهولة، العروس  دخلت في حالة صدمة عصبية شديدة، وتم نقلها إلى العناية المركزة في أحد المستشفيات بأسوان، بعد أن فقدت القدرة على النطق والحركة، وانهارت تمامًا عقب تأكيد وفاة العريس.

العريس ليلة الزفاف 
العريس ليلة الزفاف 

 أسوان تبكي عريسًا.. مات في قاعة الفرح قبل أن يزف لعروسه

أما عن رد فعل أهل المنطقة، فقد عمّ الحزن أرجاء كوم أمبو، وخرج المئات في جنازة أشرف، التي انطلقت في اليوم التالي من نفس القاعة التي شهدت وفاته نفس الكوشة، نفس الزينة، لكن العريس الآن يُحمل على الأعناق، لا على الأكتاف في رقصة الزفاف، بل على النعش في موكب الوداع، "الناس كلها بكت عليه. الكبير قبل الصغير، كانت جنازته أكبر من جنازات ناس مشهورة. الناس كانت متعاطفة جدا مع أشرف ، وإنه مات قبل ما يشوف لحظة سعادة حقيقية".

"أشرف كان إنسان بسيط، بس قصته علمتنا إن الفرحة مش دايمه، وإن القلوب الطيبة ممكن تكون نهايتها حزينة، لكن الكل بيفتكرها بالخير"،ويضيق في النهاية، تظل قصة أشرف علامة فارقة في حياة من عرفوه، وشهادة حية على أن الحياة قصيرة ، لكنها تمنحنا أحيانًا لحظات نستطيع بها أن نلمس قلوب الآخرين.

رحل أشرف، تاركًا خلفه فراغًا لا يملؤه أحد، وذكرى حزينة سيظل أهل كوم أمبو يتحدثون عنها لسنوات. أما الحلم الذي انتظره طويلًا، فقد اختطفه الموت، قبل أن يبدأ. وماتت معه الزغاريد في ليلة كان من المفترض أن تكون ليلة العمر، لكنها أصبحت ليلة الوداع.

 

دعوة الزفاف 
دعوة الزفاف 
تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء