رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 
 

 

 

 

 

 

"لم أفز دائماً… ولكن تعلمت دائماً"
لا يصنع الإنسان ما يربحه في الحياة بقدر ما يصنعه ما يخسره منها.
فالنجاح يضيف إلى سيرتنا إنجازًا، لكنه نادرًا ما يضيف إلى وعينا حكمة. أما لحظات الفشل، وتلك الهزائم الصغيرة أو الكبيرة التي نعبرها بصمت أو بمرارة، فهي التي تفتح في داخلنا أبواب الأسئلة الكبرى: من نحن؟ وما الطريق الذي خُلقنا له حقًا؟

حين نكون في قلب التجربة المؤلمة، نظن أن العالم قد ضاق، وأن بابًا كان يقود إلى مستقبلنا قد أُغلق إلى الأبد. لكن الزمن، حين يمضي، يكشف لنا أن الحياة أكثر حكمة من خططنا، وأن الطريق الذي أُغلق لم يكن نهاية المسار، بل كان في أحيان كثيرة مجرد منعطف خفي يقودنا إلى طريق آخر… ربما لم نكن لنكتشفه لو سارت الأمور كما أردنا.

ومع مرور السنوات يدرك الإنسان حقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد:
أن بعض ما بدا ظلمًا في لحظته كان في جوهره درسًا، وأن بعض ما ظنناه هزيمة كان في الحقيقة بداية تكويننا الحقيقي.

فالإنسان لا يُصاغ فقط بما يحققه من نجاح، بل بما يتعلمه من العثرات، وبما يكتشفه عن نفسه حين يُجبر على النهوض بعد سقوط لم يختره.

وهذه الكلمات ليست حكاية عن نجاح بقدر ما هي تأمل في تلك اللحظات التي ظننتها يومًا خسارة، ثم اكتشفت بعد سنوات أنها كانت اللبنات الخفية التي صنعتني.  
الحياة، كما تعلمت مع مرور السنوات، لا تُقرأ من سطورها الأولى، ولا تُفهم من لحظة واحدة من الألم أو الخسارة. فكثيرًا ما تخفي الأيام في طياتها حكمة لا نراها إلا بعد زمن، حين نكتشف أن ما ظننّاه سقوطًا كان في الحقيقة بداية طريق آخر… طريق لم نكن نخطط له، لكنه كان أكثر اتساعًا مما تخيلنا.

أكتب هذه الكلمات لكل شاب وشابة يمران بلحظة شك أو إحباط، لكل من ظن أن عدم الفوز في معركة ما يعني نهاية الحلم. الحقيقة أن الحياة لا تُقاس بلحظة فوز أو خسارة، بل بخبرة تتراكم في وجدان الإنسان، وتصوغ داخله شخصية أكثر نضجًا وقدرة على الفهم.

حين أعود بذاكرتي إلى سنوات الدراسة الأولى في كلية الطب، أتذكر أن حلمي كان واضحًا وبسيطًا: أن أصبح جراحًا. كنت أدرس بشغف، وحققت تفوقًا بامتياز في كل مواد الدراسة . لكن في امتحان الشفوي في مادة الجراحة واجهني أستاذ قرر أن ينقصني ٤٥ درجة متعمدًا فيضيع مني الامتياز ويمنعني من التخصص ،لسبب لا أود الخوض فيه هنا .

كانت تلك لحظة قاسية على شاب يرى مستقبله يتشكل أمامه. شعرت حينها أن بابًا كان مفتوحًا قد أُغلق فجأة، وأن حلمًا كبيرًا قد أُبعد عني بقرار لا علاقة له بالعلم أو الجهد.

لكن الحياة كانت تكتب فصلًا آخر لم أكن أراه.

بعد التخرج، وبدافع من الإحباط وربما الرغبة في بدء صفحة جديدة، قررت الهجرة إلى الولايات المتحدة. اجتزت امتحانات المعادلة ، وحصلت على فرصة للعمل طبيبًا مقيمًا في الجراحة بجامعة مرموقة ، و كانت الوظيفة ستبدأ بعد ستة أشهر. لم أشأ أن أترك تلك الفترة تمر دون تدريب، فتقدمت للعمل طبيبًا مقيمًا في قسم النساء والتوليد في قصر العيني.
وهنا تكرر المشهد نفسه ، 
وفوجئت بأنني استُبعدت من الوظيفة .
في تلك اللحظة لم يكن الأمر مجرد وظيفة، بل كان اختبارًا للكرامة. لم أكن متحمسًا للتخصص أصلًا، لكنني قررت أن أدافع عن حقي العلمي. تصاعدت المسألة حتى وصلت إلى عميد الكلية، الذي استدعاني في البداية ليوبخني على ما اعتبره تمردًا. لكن حين راجع الدرجات اكتشف أن حقي واضح. فصدر قرار بزيادة عدد الوظائف، وحصلت على موقع طبيب مقيم في النساء والتوليد.

كنت أظن أنني سأبقى في هذا القسم بضعة أشهر فقط، حتى يحين موعد سفري إلى أمريكا.

لكن الحياة كانت تخبئ مفاجأة أخرى.

خلال تلك الأشهر القليلة بدأت أكتشف عمق هذا التخصص الإنساني. رأيت فيه لحظات ميلاد الحياة، ومسؤولية الطبيب في أدق مراحل الوجود البشري. شيئًا فشيئًا وجدت نفسي أنجذب إليه، حتى اتخذت قرارًا لم يكن في حساباتي: أن أبقى.

ومن ذلك القرار بدأت رحلة جديدة بالكامل.

تحول التخصص الذي دخلته مصادفة إلى المجال الذي كرست له حياتي. حصلت على أعلى الدرجات العلمية، وسافرت لاحقًا إلى الولايات المتحدة للحصول على درجة الدكتوراه والعمل في جامعات في ديترويت وشيكاغو، ثم عدت إلى مصر لأكمل مسيرتي المهنية والعلمية.

وحين أنظر إلى تلك اللحظة القديمة في امتحان الجراحة، أدرك أن الظلم الذي شعرت به يومها لم يكن نهاية الطريق… بل كان نقطة التحول التي قادتني إلى ما أصبحت عليه.

ولم تكن هذه التجربة الوحيدة.
في العمل السياسي، وبعد سنوات طويلة من العمل العام، واجهت موقفًا مشابهًا حين أسقطني قادة الحزب  الحاكم  في الانتخابات البرلمانية. لم يكن السبب ضعفًا في التأييد الشعبي، بل خوفًا من صعود نجمي السياسي. كنت معروفًا داخل النظام بتوجه إصلاحي واضح، وكان الهدف أن يتم تهميشي أو دفعى إلى الاستقالة.
لكن ما حدث كان مختلفًا.
بدلًا من أن تتراجع ثقة الناس بي، ازدادت. رأى كثيرون فيما حدث دليلًا على استقلالي ونزاهتي. وعندما جاءت أحداث يناير، وسقط كثير من قادة الحزب في السجون أو غادروا البلاد، استدعاني الرئيس مبارك لأكون في الموقع القيادي في العمل السياسي، لأنني كنت من القلائل الذين احتفظوا بمصداقيتهم ولم تتلوث أيديهم بالفساد.
مرة أخرى، كان ما بدا هزيمة خطوة نحو مكانة أقوى في وجدان الناس.
لقد علمتني الحياة درسًا يتكرر بأشكال مختلفة:
ليس كل ما نراه شرًا يكون شرًا،
وليس كل باب يُغلق يعني نهاية الطريق.
أحيانًا يكون ما نعتبره خسارة هو الطريق الذي يقودنا إلى أنفسنا الحقيقية. وأحيانًا يكون الظلم الذي نتعرض له هو الشرارة التي توقظ فينا قوة لم نكن نعرف أننا نملكها.
لهذا أقول لكل شاب وشابة:
لا تغرقوا في لحظة عدم الفوز. لا تجعلوا خسارة معركة تعني خسارة الحياة.
تأملوا التجربة، وتعلموا منها، واتركوا الزمن يكشف لكم ما لم ترونه في لحظته.
فالحياة لا تصنع الإنسان بلحظات النجاح وحدها، بل بلحظات الصمود بعد الانكسار.
ولو نظر كل منا إلى حياته بصدق، سيكتشف أن كثيرًا مما ظنه يومًا شرًا… كان في الحقيقة بداية خير لم يكن يتوقعه.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء