رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

باحثة في الشأن الإيراني: بقاء طهران متصلة بالإنترنت يعني فناء قادتها|خاص

الدكتورة شيماء المرسي
الدكتورة شيماء المرسي

في لحظةٍ يشتد فيها لهيب الشرق الأوسط، وتتسارع الاغتيالات كالبرق في سماء طهران، كان هذا اللقاء مع الدكتورة شيماء المرسي، الباحثة الأبرز في الشأن الإيراني، والحاصلة على درجتي الماجستير والدكتوراه في الدراسات البينية الإيرانية، والتي تشبه تحليلاتها الغوص في أعماق محيطٍ مظلم مليء بالأسلاك الخفية والرقائق القاتلة.

 

تقول المرسي: «إيران اليوم ليست تُقاتل فقط بالصواريخ، بل تُقاتل بأجهزة الهاتف والراوتر والسيرفر» في هذا الحوار، كشفت الدكتورة الزوايا غير المرئية التي قد تُغيِّر مجرى تاريخ المنطقة.

حرب هجينة حقيقية

في أقل من ثلاثة أيام سقطت قيادات مؤثرة جدًا: أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، رئيس الاستخبارات، قادة الباسيج والحرس الثوري في أصفهان وفارس وطهران..هل هذا مجرد اختراق أمني تقليدي؟


 شيماء المرسي: الاختراق الأمني موجود بالفعل، وطهران أعلنت حملات اعتقال واسعة لعملاء الموساد، لكن إيران ليست دولة عادية؛ إنها دولة بوليسية بامتياز، فالجواسيس وحدهم لا يفسرون هذا الانهيار السريع. 

نحن أمام حرب هجينة حقيقية، حيث تسيطر الهيمنة الرقمية الغربية كاملة: من فيسبوك وإنستغرام وواتساب وإكس، إلى أدوات الذكاء الاصطناعي التي يديرها الموساد ووكالة الأمن القومي الأمريكية لتحديد المواقع وتتبع التحركات بدقة تُشبه السحر الشيطاني.
هذا ليس مجرد «بيجر لبناني» بل بيجر على نطاق قومي كامل، يجمع بين المؤسسات والتقنية والأمن في شبكة واحدة قاتلة.

السر في "الهاردوير"

وما الذي جعل الاختراق يصل إلى هذا العمق المرعب؟ 

 

المرسي: السر في «الهاردوير» نفسه، لا في التطبيقات فقط، هذه هي «عملية شلل الحواسيب» التي كشف عنها إدوارد سنودن. 

وحدة TAO في وكالة الأمن القومي الأمريكي، كانت تعترض الراوترات والسيرفرات قبل وصولها إلى الدول المستهدفة، تفتح الصناديق، تزرع رقائق تجسس «تروجان» داخلها، ثم تعيد إغلاقها وتشحنها كأنها جديدة تمامًا.
وبسبب العقوبات، تعتمد إيران على شبكات شراء رمادية ووسطاء مشبوهين، فأصبحت أجهزتها التقنية – من أجهزة الاتصال اللاسلكي إلى الرادارات وأنظمة التحكم في المفاعلات النووية ومحطات الغاز – بستانًا خصبًا لزرع هذه الرقائق القاتلة.
عندما يجتمع القادة في غرفة واحدة، يكفي إرسال كود بسيط عبر الشبكة العالمية ليحدد موقعهم بدقة قاتلة… ويأتي سيناريو البيجر ليُنهي المهمة.

العزلة الرقمية الكاملة
 

فما الحل إذن أمام إيران للنجاة؟

 

 تضيف أستاذة الدراسات البينية الإيرانية: الحل الوحيد المتبقي هو العزلة الرقمية الكاملة: إعادة تجربة احتجاجات البازار وتحويل إيران إلى كيان منفصل تمامًا عن العالم الرقمي، على غرار كوريا الشمالية أو «سور الصين العظيم». لكن هنا يكمن التناقض المرعب: إيران تريد أن تواصل إيصال صور جرائم الحرب الإسرائيلية والأمريكية إلى الرأي العام العالمي، وتريد أن تكشف تفوقها العسكري الذي يُعتَّم عليه عربيًا ودوليًا.
الإغلاق الشامل سيكون انتحارًا إعلاميًا يُسلم رواية الحرب بالكامل للخصوم. 

ومع ذلك أعتقد أن قرار العزلة أصبح قاب قوسين أو أدنى، إيران اليوم عالقة في فخ الاتصال: البقاء متصلة يعني قتل قادتها واحدًا تلو الآخر، والانفصال يعني قتل قضيتها في وعي العالم. لذا فهي تختار أن تُضحِّي بالرؤوس… لتبقي القضية حية.

الصدام الكبير

وما دلالة استهداف إسرائيل للقيادات المعتدلة تحديدًا؟


الدكتورة شيماء المرسي: هذا الاستهداف الدقيق يعني شيئًا واحدًا: إسرائيل قررت أن تحول هذه الحرب إلى «فتيل حرب آخر الزمان»، تجذب كل الأطراف الإقليمية والدولية إلى الصدام الكبير.

 لهذا تفاجأت واشنطن باغتيال لاريجاني، ودخلت في حالة تخبط كامل: هل تستمر في الحرب أم توقفها؟ إسرائيل لم تعد تُنسِّق… بل تفرض الأمر الواقع.
هذا التصعيد فتح الباب على مصراعيه لصعود التيار الراديكالي الأقوى: رجال مدرسة مصباح يزدي، وطلاب جامعة المصطفى برئاسة مجتبى خامنئي وعليرضا أعرافي. التيار الأمني المتشدد سيسيطر، وهو يرى التفاوض في زمن الحرب خيانة عظمى.

إيران تقاتل فخا رقميا

هذا يعني حربًا طويلة الأمد، لن تنتهي إلا بسيناريوهين أحلاهما مر: إما انتصار إيران وهيكلة متشددة شرسة لمحور المقاومة أو انهيار الجمهورية الإسلامية بعد أن يحرق الخراب المنطقة بأكملها.
شخصية أعرافي التي بدأت تتلألأ في مجلس القيادة المؤقت تشير إلى جيل جديد: «انقلاب الحوزة»… رجال دين تم تجنيدهم عسكريًا وأمنيًا داخل الحرس الثوري. نحن أمام نظام هجين لا يعرف حدودًا بين العمامة والسلاح.
في النهاية إيران ليست تُقاتل عدوًا خارجيًا فحسب، بل تُقاتل فخًا رقميًا زرعته يد الغرب داخل أجهزتها نفسها. الدكتورة شيماء لم تُجمل الحقيقة، بل قالتها بكل جرأة: «طهران تختار بين دم قادتها وموت روايتها وهي، حتى الآن، اختارت أن تدفع الدم لتبقي الصوت حيًا».

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء