رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت


قبل إنتاج مسلسل "د. مصطفى محمود"

سؤال فرض نفسه عندما شاهدت "بروموهات" لمسلسل سيعرض رمضان القادم يقدم شخصية العالم الدكتور مصطفى محمود في عمل درامي، في الوقت الذي تخصص – من الآن - بعض القنوات فقرات من حلقاته السابقة في برنامجه "العلم والإيمان"، وتذاع تحت عناوين خواطر الدكتور مصطفى محمود، رغم أنها لا تعد خواطر، فالخواطر تفاعلات داخلية تنتج من تفكير عميق في ظاهرة أو محتوى، وما كان يقدمه الدكتور محمود هو برنامج علمي لا يخضع للخواطر بقدر ما هي حقائق وثوابت توصل إليها العلم، لكن نبرة الاحتفاء والتمجيد في شخص العالم الراحل واضحة، وهو ما يجعلنا نقلق من المسلسل المنتظر وتوقيته.

فعند التفكير في إنتاج عمل درامي يتناول شخصية بحجم د. مصطفى محمود، يصبح الحذر ليس خيارًا فنيًا، بل ضرورة فكرية وأخلاقية، لأن الاقتراب من شخصية متعددة التحولات بهذا الشكل يضع صناع العمل أمام اختبار صعب بين الأمانة التاريخية والإغراء الدرامي، فالتجربة السابقة مع مسلسل إمام الدعاة الذي تناول سيرة الشيخ محمد متولي الشعراوي تقدم درسًا يكشف عن خطيئة درامية، إذ جرى تقديم الشخصية في صورة مثالية أقرب إلى الملائكية، مع تجاهل الطبيعة البشرية التي تخطئ وتصيب، وهو ما أضعف القيمة التوثيقية للعمل وحوله إلى عمل دعائي أكثر منه عملًا دراميًا.

إنتاج مسلسل عن د. مصطفى محمود لا ينبغي أن يقدم باعتباره احتفاءً مطلقًا، فدراما السيرة الذاتية الناجحة ليست تمجيدًا، بل أداة تحليل ونقد، قادرة على تقديم شخصية مركبة كما هي، بتناقضاتها وتحولاتها، بدءًا من رحلته بين الشك والإيمان، مرورًا بصداماته الفكرية مع رموز فكرية مثل الدكتور فؤاد زكريا، ووصولًا إلى أزماته الشهيرة مع المؤسسات الدينية، وهنا يجب أن يتحول العمل إلى وثيقة فكرية تعكس تحولات المجتمع المصري ذاته، لا مجرد سيرة فرد.

لكن الخطر الحقيقي يكمن في تحويل العمل إلى أداة، يتم تقديم د. مصطفى محمود بوصفه "مفكرًا منقذًا" أو "قدوة مطلقة" مع إغفال الجوانب الجدلية في مسيرته، مثل مواقفه الحادة والمتطرفة ضد الرئيس جمال عبد الناصر بعد رحيله، واتهامه له بالكفر والحكم عليه بدخول النار، أو دوره – كما يرى منتقدوه – في تهيئة المناخ الفكري لانتشار التيارات السلفية والوهابية، في هذه الحالة، لن يعد العمل دراما، بل يصبح أداة لإعادة إنتاج صورة رسمية سابقة تخدم وجهة نظر بعينها، سواء في مواجهة الإلحاد أو في إعادة تعريف "الإسلام" المسموح به داخل المجتمع.

ولا يمكن فصل أي عمل من هذا النوع عن رسائله السياسية الضمنية، فاختيار توقيت إنتاجه يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة: هل يُراد به مخاطبة موجات الشك الديني والإلحاد لدى بعض الشباب عبر نموذج مبسط للإيمان؟ أم إعادة قراءة حقبة الستينيات من زاوية نقدية تهاجم إرثها السياسي؟ أم تقديم نموذج "المسلم المثقف" كبديل عن الانتماء للتنظيمات؟ هذه الأسئلة مهمة لأنها ستحدد الإطار الذي سيُفهم من خلاله العمل.

التحدي الأكبر يظل عند تناول القضايا الحساسة التي لا يمكن القفز فوقها مثل أزمته مع التيارات السلفية حول قضية الشفاعة - شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم - التي أنكرها، وظل متمسكًا برأيه حتى النهاية ولم يتراجع أمام حملات الهجوم الممنهجة ضده، وهي معركة فاصلة في مشواره الفكري، أو طبيعة علاقته بعهد الرئيس أنور السادات واستخدامه في تمرير أفكار تلك المرحلة عبر توسعة المجال له إعلاميًا من خلال البرامج واللقاءات التلفزيونية والكتابة في أكبر الصحف انتشارًا "الأهرام"، بالتزامن مع ترويج كتبه وأفكاره في دول الخليج وتبني جماعة الإخوان لها من خلال إصداراتهم المطبوعة في السبعينيات، وهل سيُقدم كمفكر مستقل أم كجزء من المناخ السياسي لهذه الحقبة التي استُخدمت فيه بعض الشخصيات لمواجهة النظام السابق والانقلاب عليهم، هذه التفاصيل هي التي تصنع الفارق بين عمل جاد أو عمل دعائي فقط.

في النهاية، إنتاج مسلسل عن د. مصطفى محمود هو اعتراف بثقله في التاريخ الثقافي المصري، لكن القيمة الحقيقية للعمل ستتحدد بقدرته على تقديمه كإنسان كامل، لا كرمز منزه ولا كمفكر مدان، الدراما المصرية قدمت نماذج مختلفة بين الاحتفاء الصافي كما حدث مع أم كلثوم، والتحليل النقدي كما في مسلسل الجماعة، وبين هذين النموذجين تقف سيرة مصطفى محمود كمساحة مفتوحة: إما أن تتحول إلى مرآة صادقة للتاريخ، أو إلى محاولة تلميع تخفي أكثر مما تكشف، وللحديث بقية.

م
حمد رفعت

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء