في عالمنا العربي والإسلامي، يبدو الحضور الديني واضحًا في كل خطاب سياسي، على اختلاف مستوياته. فكثيرًا ما يبدأ الخطاب بالبسملة أو بتحية الإسلام وينتهي بها كذلك، وفي محتواه ذكر الله وذكر رسوله وطلب التوفيق والعون من الله، وحث الشعوب على مراعاة جانب الله في العمل والاجتهاد من أجل رفعة الأوطان، وغيرها من العبارات التي تؤكد حضور الدين القوي على المستوى الرسمي، بل إن اليمين الدستورية التي يبدأ بها السياسي عمله في دول عالمنا العربي والإسلامي تحتوي على القسم باسم الله العظيم، باستثناء دول قليلة غيرت صيغة هذا القسم، أو جعلت القسم بالله أمرًا اختياريًا.
هذا على الصعيد السياسي الرسمي. أما على المستوى الشعبي فالحضور الديني أكثر بروزًا واتساعًا. وليس في هذا ما يدعو للاستغراب، إذ إننا شعوب متدينة بطبيعتها، ويُعدّ الدين جزءًا أصيلًا من تكوين الإنسان الشرقي، مسلمًا كان أم مسيحيًا. ومن هذا المنطلق، يشكّل الدين في ثقافتنا أحد أقوى أدوات الإقناع والحجاج، كما يُعدّ من أبرز عوامل الصمود والمقاومة.
وعند سماع كلمة 'المقاومة'، يتجه التفكير مباشرة إلى المقاومة الشعبية المشروعة ضد العدو المحتل. نعم، مقاومة المحتل هي جزء من المقاومة، لكن المصطلح ذاته أوسع بكثير منها، إذ ربما يعني المقاومة لكل ألم يتعرض له الإنسان بهدف الوصول إلى الأمل الذي ينشده. فتحصيل العلم مقاومة للجهل، والعمل من أجل تحسين الحالة المادية مقاومة للفقر، وتطبيق العدل مقاومة للظلم، والتحلي بالشجاعة مقاومة للجبن، والتحلي بالتفاؤل في أوقات الشدة مقاومة للتشاؤم، وبناء الحضارات مقاومة للتخلف والبدائية.
وقد أشار الدكتور حسين مؤنس، رحمه الله، إلى أن الحضارة هي مجمل الجهود التي يبذلها الإنسان لتحسين أوضاعه المادية والمعنوية، وهو ما يجعل هذا السعي في جوهره نوعًا من المقاومة المشروعة ضد الركود والاستسلام. وبذلك يقف الإنسان أمام خيارين: إما أن ينخرط في هذا الجهد فيحقق غايته، أو يرضى بواقعه دون تغيير.
ويمثل الدين عند شعوب عالمنا العربي العنصر الأهم أو الأداة الأهم لفلسفة المقاومة، والمحاجج الأقوى للإقناع، فبه تقاوم الشعوب المظلومة العدو المحتل وتستعذب الموت في سبيل تحرير أراضيها من دنس هذا العدو، انطلاقًا من النصوص الدينية التي تحفز على هذه المقاومة، وتجعل الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون. وبه تتحمل الأم آلام المخاض كي تنجب طفلًا تربيه وتجتهد في تربيته معتبرة ذلك سنة من سنن الحياة ووظيفة ربانية كلفها الله بها. وبالدين يتحمل الإنسان المسؤولية ويقاوم المنكرات وفقًا لقوته وقدرته على تغيير هذا المنكر.
والدين هو الذي أمر بتفعيل دور العقل، وجعل حمايته مقصدًا من مقاصد الشريعة، ونهى عن التقليد الأعمى الذي يضر بهذا العقل ويحول دون ممارسته وظيفته في التفكير والإبداع وتحديد نوع المقاومة ووقتها والطريقة التي ينبغي أن نقاوم بها.
وهذا أمر حُرمت منه شعوب أخرى لعوامل ثقافية مختلفة، همشت الدين وما يمثله من قيمة روحية تسمو بالإنسان وتهذب وجدانه وتقوي مقاومته ضد ما يضره ويضر مجتمعه؛ ومن ثم يتحول الإنسان إلى ما يشبه الآلة، يعمل كي يعيش فقط، يهرب من مسؤولية الزواج، وإن تزوج يهرب من مسؤولية الإنجاب، وإن كبر والداه يهرب من مسؤولية رعايتهما، وإن شق العمل عليه أو تعرض لظلم قد يلجأ إلى الانتحار متخليًا عن جميع أنواع المقاومة التي أنعم الله بها عليه.
إن هذا العامل الديني جعل بعض الغربيين يخشون، بصورة غير مبررة، من دول وشعوب عالمنا العربي أكثر من خشيتهم من دول أخرى أثبتت تقارير الغرب نفسه أن هذه الدول خلال نصف قرن على الأكثر ستتفوق على الدول الغربية، لاسيما في المجال الاقتصادي. والسبب في ذلك أن هذه الدول تفتقد عناصر المقاومة الدينية والحضارية الراسخة، ومن ثم لا تمثل أي خطرٍ على الهيمنة الغربية ولا على نظام الرأسمالية العالمية.
لذلك ينبغي الحفاظ على الحسّ الديني الذي يتسم به الإنسان الشرقي، مع العمل على تجديد الخطاب الديني واستلهام ما تزخر به السيرة النبوية من قيم ومعانٍ ثرية، بعدما اختُزلت ظلمًا عند البعض في جانب الحروب، رغم أنها لا تمثل إلا جزءًا يسيرًا من حياة النبي الدعوية التي امتدت 23 عامًا، أي ما يقارب 8000 يوم. نسأل الله أن يحفظ عالمنا العربي من كل سوء.