أتذكر ذلك الطفل الصغير الذي احتضن ملابسه الجديدة ونام ـ عادة ما تكون بدلة ضابط أو طيار أو قميص وبنطلون - على أمل أن يصحو في اليوم التالي ليقضي العيد مع أصدقائه وأسرته في جو من البهجة والسعادة والألعاب والخطط التي لا تنتهي.
في ذلك الوقت البعيد، والمكان الأبعد، في القرية القابعة وسط عشرات القرى الأخرى في قلب الدلتا، كان للعيد طعم مميز. لم يكن يوم العيد عاديا أو طبيعيا أو زمنا محدد الفترة، بل كان أقرب لمساحة ذهنية لخيال ممتد يرتع في حقول من البهجة والسعادة ذات النسيج الأخضر الناعم والإيقاع البسيط المرح.
كانت البيوت مفتوحة على اتساعها للجميع. القرية كلها بمثابة منزل واحد، متصل ببعضه البعض عبر شرايين سرية تعقد أواصر الصلة بين الكبير والصغير والقريب والغريب، وكأن هذه المناسبة الاستثنائية جواز مرور للمشاعر الفياضة والترابط والمودة التي تنداح بين الجميع دون حساب.
العيد أيضا بعيون الماضي وطعم النوستالجيا، كان له لغته ومصطلحاته وحضوره الحي في الوجدان والخطط اليومية، حتى أن الجملة الأشهر بين الأقران والأصحاب "هيا بنا نذهب إلى العيد"، وكأنه مكان وليس زمانا. فهو مركز ومكثف في منطقة محددة واسعة بها كل الألعاب التي ينتظرها أطفال القرية من العيد للعيد.
نوستالجيا العيد لا تخلو من طقوس محببة، مثل الذهاب إلى المزين والتخطيط لصرف العيدية والأغاني الشعبية البسيطة المعبرة عن الفرحة الاستثنائية التي يزخر بها هذا اليوم، ويظل الحنين لهذه المفردات جزءا حميما في الوجدان.
كل الأمل أن يظل جسر الحنين موصولا في الوجدان، لتتحول تلك النوستالجيا المشبعة بروح العيد إلى مشاعر واقعية نابضة بالحياة، قادرة على بث المتعة والسعادة وإعادة الشغف للأرواح الأرقة.