في بورسعيد والمنيا
هنيئاً لمن صبر.. الأم المثالية 2026 من مرارة اليُتم إلى حلاوة التتويج
في كل بيت حكاية، لكن بعض الحكايات تكتب بدموع الصبر وتروى بسنوات طويلة من التضحية، حتى تتحول إلى نماذج ملهمة تجسد أسمى معاني الأمومة، ومع إعلان نتائج مسابقة الأم المثالية لعام 2026، برزت قصتان إنسانيتان من قلب المعاناة، لتؤكدا أن الأم المصرية قادرة على تحويل الألم إلى قوة، وصناعة الأمل رغم قسوة الظروف.
حكاية عاملة "دليفري" هزمت الإعاقة والفقر لتصبح أماً مثالية ببورسعيد
سطرت الحاجة نجلاء الموجي، 47 عامًا، سيدة بورسعيد، الحاصلة على المركز الثالث على مستوى الجمهورية، قصة استثنائية من الكفاح، بدأت بظروف معيشية بسيطة وزواج من عامل يومية بدخل محدود، قبل أن تواجه اختبارًا قاسيًا باكتشاف إصابة ابنها الأول ببؤرة صرعية أدت إلى إعاقة ذهنية.
ولم تتوقف التحديات عند هذا الحد، فبعد سنوات قليلة، رُزقت بابنها الثاني، الذي أصيب هو الآخر بنفس المرض، ليصبح لديها طفلان من ذوي الاحتياجات الخاصة، يحتاجان إلى رعاية وعلاج مستمرين.
وبين ضيق الحال وثقل المسؤولية، اختارت نجلاء طريق الصبر، وبدأت رحلة طويلة من التنقل بين الأطباء والمستشفيات ومراكز التخاطب.
ورغم قلة الموارد، لم تستسلم، فعملت في مهن متعددة؛ من حراسة العقارات إلى بيع مستحضرات التجميل، والعمل في مصانع الملابس، وصولًا إلى إعداد وبيع الطعام، لتتمكن من توفير نفقات العلاج والتعليم، ومع تفاقم الخلافات الأسرية وغياب الدعم، اتخذت قرار الانفصال عن زوجها، متنازلة عن حقوقها، لتواصل رحلتها بمفردها.

ونجحت في دمج أبنائها في التعليم حتى المرحلة الثانوية، وحرصت على تنمية مهاراتهما، فحصدا بطولات وميداليات رياضية، إلى جانب تفوق أحدهما في حفظ القرآن الكريم، والآخر في الكتابة الأدبية، رغم معاناتهما الصحية المستمرة.
بعد 34 عامًا من الصبر والتضحية.. عبير أحمد تُتوَّج أمًا مثالية بالمنيا
فتبرز قصة السيدة عبير أحمد ممدوح، ابنة محافظة المنيا، التي قدمت نموذجًا إنسانيًا بالغ التأثير في الصبر والوفاء، حيث بدأت رحلتها مع المعاناة منذ عام 1992، حين فقدت زوجها المهندس علاء عبد الجواد، وهي لا تزال في بداية طريقها كأم، ووجدت نفسها فجأة مسؤولة عن طفلة رضيعة، بينما كانت حاملًا في شهرها الثاني.
تصف عبير تلك اللحظات بأنها الأصعب في حياتها، حيث استقبلت مولودها الثاني وهي ترتدي ملابس الحداد، مثقلة بالحزن، لكنها قررت أن تكون على قدر المسؤولية، فاختارت طريق التضحية ورفضت الزواج مرة أخرى، متمسكة بذكريات زوجها ووفاءً له. ولم يكن ذلك مجرد قرار عابر، بل التزام استمر لعقود، كرّست خلالها حياتها بالكامل لأبنائها.
وجسدت عبير وفاءها لزوجها الراحل بشكل مؤثر، حين أطلقت على نجلها اسم “علاء”، تخليدًا لذكراه وتعبيرًا عن حبها العميق له، مؤكدة أنها لم تنسه يومًا، وكانت تداوم على الدعاء له، مسترجعة مواقفه الطيبة وسيرته الحسنة.
وعلى مدار 34 عامًا، واجهت عبير تحديات اقتصادية صعبة، خاصة أنها لم تكن تعمل، واعتمدت فقط على معاش زوجها، إلا أنها لم تسمح لتلك الظروف أن تعوقها عن أداء رسالتها، فحرصت على تربية أبنائها على القيم والأخلاق، وسعت لتعليمهم حتى حصلوا على مؤهلات جامعية، إيمانًا منها بأن التعليم هو السلاح الحقيقي لمواجهة الحياة، ولم تكن مهمتها سهلة، فقد عاشت سنوات من القلق والخوف على مستقبل أبنائها، وكانت تحاول تعويضهم عن غياب الأب بكل ما تملك من حب وحنان، حتى أصبحوا اليوم سندًا حقيقيًا لها، يحيطونها بالرعاية والتقدير، وهو ما تعتبره أعظم مكافأة حصلت عليها بعد سنوات الكفاح.

كما مرت بمواقف إنسانية صعبة، من بينها زواج ابنتها وابتعادها عنها، وهو ما ترك فراغًا كبيرًا في حياتها، قبل أن تعوضها الأقدار بعودة ابنتها للإقامة بجوارها، لتستعيد شعورها بالأمان والونس وسط أسرتها.
واليوم، تعيش عبير بين أبنائها وأحفادها، تواصل دورها كأم وجدة بنفس العطاء، دون أن تنقطع عن رسالتها، حتى جاء تتويجها بلقب الأم المثالية بمثابة لحظة إنصاف طال انتظارها، خاصة أنها لم تكن تعلم أن نجلها تقدم لها في المسابقة، لتفاجأ بالخبر الذي غمرها بمشاعر الفرح والتأثر، قصتان من واقع مختلف، لكنهما تلتقيان في جوهر واحد: أم صنعت من الألم قوة، ومن الصبر طريقًا للنجاح.