رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت


 

الحروب أكثر المجالات التي يتعلم منها البشر الدروس ويستفيدون في جانب منها في تطوير أشياء وتحسين أخرى. وغالبية العلوم إما أنها تقوم على دروس الحروب أو تقدم للمحاربين دروسًا يستفيدون منها في قتالهم والسعي لتغلبهم على الخصوم في صراعاتهم، سواء كان ذلك في الماضي أو في الحاضر. وما بين السيف والصاروخ شهد الناس آلاف الحروب وعرفوا آلاف الدروس والخبرات، ويكون النصر لمن يبتكر أساليب وخططًا غير متوقعة، ولمن يقدر على تنفيذ أفكاره واستراتيجيته بصورة تخترق صفوف وأدمغة الخصم.

في الحرب بين إيران من جانب وأمريكا وإسرائيل من جانب آخر، تركز إسرائيل خاصة على اغتيال القيادات الإيرانية. استطاعت إسرائيل أن تقرأ إيران كأنها كتاب مفتوح، ليس صدفة بل نتيجة تراكم طويل من عوامل تاريخية واستراتيجية وتقنية وسياسية، أهمها مؤسسة المخابرات الإسرائيلية التي تأسست بعد إنشاء إسرائيل مباشرة، وارتكزت على ثقافة التعمق في التفاصيل والمراقبة الدقيقة لكل تحركات العدو والتنبؤ بسلوكه، وهي مؤسسات لا ترى في المعلومات مجرد أرقام بل تحولها إلى سياق تحليلي شامل يمكن من رسم خريطة دقيقة للقرار الإيراني. كما أن إسرائيل أسست شبكة علاقات مخابراتية عالمية تمتد من الغرب إلى الشرق، ومن داخل أوروبا وأمريكا إلى أقرب الحلفاء في المنطقة، مما وفر لها تدفقًا معلوماتيًا شبه دائم وغطاءً سياسيًا ودبلوماسيًا يسهل تنفيذ العمليات الحساسة ويجعلها أكثر دقة وفعالية.

من أهم أسباب تفوق المخابرات الإسرائيلية أنها دولة مركزية، وبنية الحكم فيها مترابطة بشكل يسمح باتخاذ قرارات سريعة وتحويل المعلومات إلى عمليات مباشرة دون تضارب مؤسسي، بينما إيران دولة متعددة المراكز، فيها الحرس الثوري، وزارة المخابرات، المرشد الأعلى، ورئاسة الجمهورية. كل مؤسسة لها رؤيتها الخاصة، وأحيانًا تتناقض الرؤى، مما يولد بيئة معقدة وصعوبة في تنسيق المعلومات والاستجابة السريعة، وهذا يعكس سببًا جزئيًا لعدم قدرة إيران على اختراق إسرائيل بنفس العمق والدقة. كما أن إسرائيل تخوض حروبًا مستمرة منذ نكبة 1948، وقد صقلت خبرتها في العمليات المخابراتية والاغتيالات والمراقبة، لذلك باتت تعرف كيفية التحرك داخل أنظمة معادية معقدة، بينما إيران ركزت على بناء نفوذ إقليمي من خلال وكلاء وحركات مسلحة في الخارج دون التركيز نفسه على تطوير أجهزة قادرة على اختراق دولة مثل إسرائيل التي تمتلك أنظمة متقدمة للغاية للتشفير والاتصالات والمراقبة. بجانب أن إسرائيل متقدمة في مجال التجسس الإلكتروني والفضائي والمخابرات السيبرانية، ولديها بنية تحتية ضخمة لمراقبة الاتصالات وتحليل البيانات وحماية نفسها في الوقت ذاته، بينما إيران، رغم محاولاتها في هذا المجال، لا تزال متخلفة نسبيًا من حيث القدرات التقنية والاستخباراتية السيبرانية المتقدمة، وهذا يمنح إسرائيل ميزة نوعية تجعلها قادرة على معرفة تحركات إيران ونواياها قبل أن تتحرك على الأرض. إسرائيل تضع المخابرات في قلب كيانها.

تدرك إسرائيل، كما يدرك كل متابع في العالم، أن ساحة الصراع الحديث لا تقتصر على الحروب العسكرية على الأرض وبالأسلحة، بل صار جوهر الصراع يحركه ويديره العقول التي تتخذ القرار وتوجه المعارك. في هذا المناخ صار اغتيال القادة أداة استراتيجية تستخدم لإحداث خلل في بنية القرار وزرع الشك داخل منظومة الحكم وإضعاف الثقة الداخلية وإشاعة شعور بأن الرموز مكشوفة وعرضة للاختراق. وهذه أفعال نفسية بقدر ما هي عسكرية، بل ربما يكون التأثير النفسي أعمق وأطول أمدًا من أي ضربة ميدانية مباشرة.

أظهر التاريخ مرارًا أن فقدان قائد محوري قد يربك التوازن ويؤدي إلى صراع داخلي أو تباطؤ في اتخاذ القرار. في المقابل هناك أنظمة – مثل إيران – تمتلك مؤسسات قوية وهياكل بديلة تستطيع امتصاص الصدمة، وتتحول الضربة إلى عامل تعبئة يعزز التماسك بدلًا من أن يضعفه. لعل اغتيال قاسم سليماني خير مثال، حيث شكلت الضربة لحظة فارقة في الوعي الاستراتيجي الأمريكي والإيراني معًا، لكنه لم ينهِ النفوذ الإيراني في المنطقة، بل أعقبته إعادة ترتيب وتكيف ساعدت النظام على الحفاظ على استمراريته. التاريخ يظهر أمثلة أخرى على أن اغتيال القيادات في تنظيمات أقل مركزية أدى إلى تفككها أو انهيارها بشكل ملموس، وهو ما تعمل عليه أمريكا وإسرائيل.

التركيز الإسرائيلي والأمريكي على هذا الأسلوب نابع من طبيعة الحروب غير التقليدية الجارية، فاستهداف العقل المدبر بديل أقل تكلفة وأكثر فاعلية. هذه العمليات تحقق هدفًا مزدوجًا، تقلل من كفاءة الخصم العملياتية وتبعث رسالة ردع في الوقت ذاته: ليس فقط نستطيع الوصول إليكم، بل لا أحد محصن، وهذه الرسالة النفسية تؤثر في شعور الأمن الداخلي للقيادة وتضع الضغوط على صانعي القرار.

يشكل اغتيال قيادي بارز مثل علي لاريجاني نموذجًا لما يمكن أن يحدث، حين تُضرب الرموز المؤثرة، فالقيادة الإيرانية تشهد عادة توازنًا دقيقًا بين المؤسسات والمراكز الفردية، لكن أي اغتيال لشخص مهما بلغت مكانته قد يكون له أثر نفسي واستراتيجي قصير المدى، لكنه لا ينهي القدرة على التكيف وإعادة ترتيب الأولويات. فالخطر الأكبر للخصم هو التنبؤ بردة الفعل الإيرانية، فقد تتحول الضربة إلى عامل تعبئة يعزز الصلابة بدلًا من أن يضعفها، كما حدث بعد اغتيال خامنئي الكبير.

التاريخ يؤكد أن اغتيال رموز القيادات كان دائمًا هدفًا لتغيير ديناميكيات الصراع، ففي الحرب العالمية الثانية استهدف الحلفاء قادة الأمن الألمان، وأدى ذلك إلى اضطراب في الأجهزة الأمنية الألمانية رغم استمرار النظام. في فيتنام استهدف الأمريكيون قادة الفيتكونغ، لكن النظام ظل قادرًا على التكيف عبر إعادة توزيع القيادة، مما دل على أن الأثر النفسي يوازي الأثر التكتيكي. في الشرق الأوسط، اغتيالات قيادات الصف الثاني في حركات المقاومة غالبًا ما أحدثت شللًا مؤقتًا في العمليات، لكنها لم توقف التنظيمات عن الاستمرار، وأحيانًا عززت الروح المعنوية لمن بقي من القادة.

اغتيال القادة أداة ذات حدين، قد تضعف الخصم وقد تمنحه في الوقت ذاته طاقة جديدة للاستمرار. فالقيادة ليست شخصًا واحدًا، بل شبكة من العقول والآليات والأفكار، ومن يمتلك القدرة على حماية هذه الشبكة وتجديدها يظل قادرًا على مواجهة أي صدمة حتى لو استهدفت أبرز رموزه. الحروب ليست اختزالًا في حدث واحد، بل مسار طويل تتفاعل فيه العوامل النفسية والسياسية والاستراتيجية والمؤسساتية بشكل متشابك، ومن يفهم هذه الديناميكيات يستطيع قراءة أثر أي ضربة بشكل أعمق على المدى الطويل.

إن اغتيال القادة لا ينهي الحرب، لكنه يغير خططها ويعيد ترتيب أولويات الخصم ويؤثر في التوازن النفسي والاستراتيجي، كما أنه يرسل رسائل داخلية وخارجية قد تزيد من عزيمة الخصم أو تضغط عليه لاستخلاص تنازلات. أما التأثير الحقيقي فمرتبط بقدرة النظام على الصمود والتكيف وإعادة إنتاج القرار، فالقيادة شبكة من الأفكار والأشخاص والآليات، ومن يمتلك القدرة على حماية هذه الشبكة وتجديدها يظل قادرًا على الصمود أمام أي صدمة استراتيجية.

رفعت رشاد

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء