رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

موازين القوى.. قراءة في أرقام حرب إيران وتداعياتها إقليميًا ودوليًا|تقرير

حرب إيران والولايات
حرب إيران والولايات المتحدة وإسرائيل

تشهد المنطقة في الوقت الراهن واحدة من أكثر موجات التصعيد العسكري تعقيدا واتساعا، حيث تتداخل العمليات الميدانية مع الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية، في ظل استمرار المواجهة المفتوحة بين إيران وإسرائيل، وانخراط مباشر وغير مباشر من جانب الولايات المتحدة وعدد من القوى الدولية والإقليمية. 

وتكشف لغة الأرقام المرتبطة بهذه الحرب عن مستوى غير مسبوق من الاستنزاف العسكري والاقتصادي، إلى جانب اتساع نطاق التأثير ليشمل عدة دول وممرات حيوية في الشرق الأوسط، بحسب تقارير أمريكية ودولية.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

حشد دعم دولي لتأمين الملاحة في المضيق

في هذا السياق، يبرز التساؤل حول مستقبل أمن الطاقة العالمي، خاصة مع التهديدات المتزايدة التي تطال مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة النفط، والمصنف ضمن النقاط الأكثر حساسية في العالم. وقد دفع هذا الوضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى التحرك نحو حشد دعم دولي لتأمين الملاحة في المضيق، في محاولة لتفادي أي انقطاع طويل الأمد قد ينعكس بشكل مباشر على الأسواق العالمية.

ورغم ما أعلنه ترامب من تلقي "ردود إيجابية" من بعض الدول، فإن الواقع يشير إلى تباين واضح في المواقف؛ إذ فضّلت دول عديدة عدم الانخراط العسكري المباشر، بينما لا تزال أخرى تدرس خياراتها. وحتى الآن، لم يصدر أي التزام قاطع بإرسال سفن حربية، في وقت تتصاعد فيه الدعوات لتشكيل مظلة حماية دولية للممر الملاحي الحيوي.

أعمدة الدخان تتصاعد عقب انفجارات في طهران
أعمدة الدخان تتصاعد عقب انفجارات في طهران

مضيق هرمز.. نقطة الاختناق العالمية

يمثل مضيق هرمز عنصر ضغط استراتيجي بالغ الأهمية، حيث يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية قبل اندلاع النزاع. ومع تصاعد التهديدات باستخدام الألغام البحرية والهجمات الصاروخية، توقفت حركة ناقلات النفط بشكل شبه كامل في فترات متقطعة، ما أدى إلى اضطراب في سلاسل الإمداد وارتفاع حاد في أسعار الخام.

وقد انعكس ذلك مباشرة على الأسواق، حيث سجلت أسعار النفط ارتفاعا إلى أعلى مستوياتها منذ يوليو 2022، إذ بلغ سعر خام برنت نحو 106.12 دولار للبرميل، بينما وصل النفط الأمريكي إلى 101.53 دولار، في مؤشر واضح على حساسية السوق لأي اضطراب في هذا الممر الحيوي.

حاملة الطائرات لينكولن. قرب مضيق هرمز
حاملة الطائرات لينكولن. قرب مضيق هرمز

التصعيد العسكري.. أرقام تكشف حجم الاستنزاف

على الصعيد الميداني، دخلت المواجهة أسبوعها الثالث وسط تصعيد متبادل بين إيران وإسرائيل، حيث أعلنت الأخيرة تنفيذ ضربات استهدفت قدرات الصواريخ الباليستية وأنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، مع ادعاءات بقصف أكثر من 200 هدف خلال يوم واحد.

في المقابل، أعلنت إيران إطلاق نحو 700 صاروخ و3600 طائرة مسيرة منذ بداية الحرب، في إطار استراتيجية تعتمد على "الإغراق الصاروخي" لإرباك الدفاعات الجوية للخصوم.

كما تشير البيانات إلى تنفيذ 257 موجة هجومية إيرانية مباشرة باتجاه إسرائيل، استهدفت بشكل رئيسي منطقة تل أبيب الكبرى بنسبة 38.5%، تلتها مناطق الجنوب والشمال والقدس.

دونالد ترامب يتوسط فانس وروبيو
دونالد ترامب يتوسط فانس وروبيو

توسع رقعة العمليات خارج الحدود

لم تقتصر تداعيات الحرب على طرفي النزاع الرئيسيين، بل امتدت لتشمل عدة دول في المنطقة، من بينها لبنان العراق والإمارات، والكويت والبحرين، حيث سجلت هجمات أثرت على منشآت مدنية ومطارات ومواقع حساسة.

ففي لبنان، استمرت الضربات في الضاحية الجنوبية ومناطق أخرى، بينما شهدت أبوظبي حادثة سقوط صاروخ على سيارة أسفرت عن مقتل شخص، إضافة إلى اندلاع حريق قرب مطار دبي الدولي نتيجة حادث متعلق بطائرة مسيّرة، ما أدى إلى تعليق الرحلات مؤقتا. كما تعرض مطار بغداد الدولي ومحيطه لقصف صاروخي أسفر عن إصابة عدة أشخاص.

آثار قصف إسرائيلي أمريكي على طهران
آثار قصف إسرائيلي أمريكي على طهران

الخسائر البشرية والنزوح

على مستوى الخسائر البشرية، تشير التقديرات إلى مقتل أكثر من 2200 شخص في مختلف أنحاء الشرق الأوسط منذ بداية الصراع، بينهم أكثر من 1300 في إيران وحدها، ونحو 850 في لبنان، إلى جانب عشرات القتلى في دول أخرى.

كما أدت العمليات العسكرية إلى نزوح واسع النطاق، خاصة في لبنان، حيث تجاوز عدد النازحين مليون شخص، في ظل توسع رقعة القتال واستمرار القصف في مناطق متعددة.

المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي
المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي

حجم العمليات العسكرية المشتركة

تكشف البيانات العسكرية عن حجم غير مسبوق من العمليات الجوية، حيث نفذت القوات الأمريكية والإسرائيلية أكثر من 6500 طلعة قتالية، استهدفت ما يزيد على 7000 هدف عسكري داخل 26 مقاطعة إيرانية.

وقد ركزت هذه الضربات على مراكز القيادة والسيطرة في طهران، ومنشآت البرنامج النووي، وقواعد الدفاع الجوي، إلى جانب تدمير نحو 190 منصة إطلاق صواريخ باليستية، وهو ما يمثل تحييد ما يقارب 60% من القدرة الصاروخية الإيرانية، وفق تقديرات عسكرية.

كما امتدت الضربات إلى القدرات البحرية، حيث تم تدمير أو إعطاب أكثر من 100 سفينة وزورق تابعين للحرس الثوري والبحرية الإيرانية، ما يعكس استهدافاً شاملاً للبنية العسكرية متعددة الأبعاد.

غارات علي إيران
غارات علي إيران

استنزاف القدرات الإيرانية

تشير تقديرات معاهد بحثية وتقارير استخباراتية إلى أن الضربات المشتركة نجحت في تحييد نحو 80% من القدرة الهجومية الإيرانية خلال الأسابيع الأولى من الحرب، من خلال استهداف منظومات الصواريخ والبنية التحتية الإنتاجية.

كما أعلن مسؤولون أمريكيون أن القدرة الإيرانية على إنتاج الصواريخ الباليستية تعرضت لما وصف بـ"هزيمة وظيفية"، بعد تدمير خطوط الإنتاج والمكونات الأساسية، مع تحييد ما بين 160 إلى 190 منصة إطلاق فعالة.

استهداف سفينة نفط في هرمز
استهداف سفينة نفط في هرمز

التكلفة العسكرية والخسائر التقنية

على الجانب المالي، بلغت تكلفة العمليات العسكرية الأمريكية ضمن ما يعرف بـ"عملية الغضب الملحمي" نحو 16.5 مليار دولار خلال الأيام الأولى من القتال، منها 11.3 مليار دولار خصصت للذخائر والمنصات المستخدمة خلال الأيام الستة الأولى فقط، وفق تقديرات مراكز أبحاث استراتيجية.

في المقابل، تكبدت الولايات المتحدة خسائر في المعدات تمثلت في فقدان 3 مقاتلات من طراز F-15 وطائرة تزويد بالوقود من طراز KC-135 خلال الموجات الأولى من العمليات.

الرد الإيراني واستراتيجية الانتشار

اتبعت إيران نهجاً يقوم على توسيع نطاق الرد ليشمل عدة جبهات، حيث نفذت هجمات على 14 دولة في المنطقة، مؤكدة أن أهدافها الرئيسية كانت القواعد العسكرية الأمريكية، رغم أن العديد من الضربات طالت مواقع مدنية.

وقد تم تسجيل ما لا يقل عن 3700 صاروخ وطائرة مسيّرة أُطلقت باتجاه دول الخليج، إلى جانب تضرر 17 موقعاً عسكرياً أمريكياً في المنطقة، بما في ذلك أنظمة رادارية متقدمة مثل نظام “ثاد” في الأردن، وقواعد في الإمارات مثل الظفرة والمنهاد.

كما استخدمت إيران آلاف الطائرات المسيّرة من طراز "شاهد-136" ضمن هجماتها، في إطار استراتيجية تعتمد على الضغط المتواصل والإرهاق الدفاعي للخصوم.

مضيق هرمز
مضيق هرمز

دور الوكلاء وتعدد الجبهات

امتد الصراع أيضا عبر أطراف إقليمية حليفة لإيران، حيث نفذ حزب الله في لبنان أكثر من 522 موجة هجومية باستخدام مزيج من الصواريخ والقذائف بنسبة 78.4%، والطائرات المسيّرة بنسبة 13.5%، ما يعكس تنسيقاً في الجبهات المختلفة.

تعكس هذه الأرقام حجم التحول الذي يشهده الصراع، من مواجهة تقليدية إلى حرب متعددة الأبعاد تشمل البر والبحر والجو، وتمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة واستقرار الأسواق.

وبينما تستمر العمليات العسكرية دون أفق واضح للتهدئة، يبقى المشهد مفتوح على احتمالات متعددة، في ظل استمرار استنزاف القدرات العسكرية، وتزايد الضغوط الاقتصادية، واتساع دائرة التأثير الجغرافي للصراع، بما يجعل من هذه الحرب واحدة من أكثر النزاعات تأثيرا في التوازنات الإقليمية والدولية في المرحلة الراهنة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء