رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

ليست كل قصص الحب تبدأ من لحظة واضحة يمكن الإشارة إليها، ولا تنتهي عند نقطة محددة يمكن إعلانها. هناك قصص تُزرع في أعماق الإنسان وهو لا يزال في طور التكوين، قبل أن يفهم معنى التعلق، وقبل أن يتعلم كيف يُسمي مشاعره أو يضع لها حدودًا. في الطفولة، لا يظهر الحب كقرار ولا كاختيار، بل كميل فطري غامض، كأن الروح تتعرف على ما يشبهها دون وسيط أو تفسير. نظرة تطول أكثر مما ينبغي، رغبة خفية في الاقتراب، ارتباك بسيط عند الحضور، وهدوء غير مبرر حين يكون الطرف الآخر قريبًا. كل ذلك يحدث دون وعي، لكنه يترك أثرًا عميقًا، كأنه نقش أولي لا يُمحى.

تمر تلك المرحلة سريعًا، كما لو أنها لم تكن سوى تمهيد طويل لشيء لم يكتمل. لا اعترافات، لا نهايات، فقط انقطاع مفاجئ. كل طرف يذهب في طريق، وتُطوى الصفحة دون أن تُقرأ حتى نهايتها. لكن الحقيقة أن الصفحة لم تُطوَ أبدًا، بل بقيت مفتوحة في مكان ما داخل الذاكرة، محتفظة بكل تفاصيلها الخام، بكل براءتها، بكل ما لم يُقال فيها. ومع مرور الوقت، لا تختفي هذه الذكرى، بل تتغير طبيعة حضورها؛ تتحول من صورة واضحة إلى إحساس مبهم، ومن مشهد محدد إلى شعور ممتد يصعب الإمساك به لكنه يستحيل إنكاره.

ثم تأتي مرحلة الشباب، حيث تتكثف الحياة، وتزدحم الأيام بالاختيارات والقرارات. هنا، يبدو كل شيء أكثر واقعية، وأكثر تعقيدًا. العلاقات لم تعد بريئة كما كانت، بل أصبحت محكومة بمعايير، بتوقعات، بحسابات دقيقة أحيانًا وقاسية أحيانًا أخرى. يلتقي الإنسان بأشخاص كُثر، يعيش تجارب متنوعة، يقترب ويبتعد، يعتقد أنه يتقدم… لكنه في لحظات معينة يكتشف أنه يدور حول فراغ لم يُملأ بعد.

في وسط هذا الزحام، يظهر الماضي فجأة، لا كذكرى عابرة بل كحالة كاملة. يحدث ذلك دون إنذار: أغنية قديمة، شارع يحمل نفس الضوء، طريقة ضحك تشبه ما كان، أو حتى صمت يحمل نفس الإحساس. هنا، يتوقف الزمن للحظة داخل الإنسان، ويعود إلى نقطة لم يُغلقها. لا يكون هذا السرحان ضعفًا، ولا هروبًا من الحاضر، بل محاولة غير واعية لاستعادة شعور نقي لم يتكرر بنفس الصدق. كأن القلب يقارن في صمت، يقيس كل ما مر عليه بذلك الإحساس الأول، ويخرج دائمًا بنفس النتيجة: هناك شيء كان مختلفًا… ولم يتكرر.

ومع مرور السنوات، يتعلم الإنسان كيف يتعايش مع هذا النقص. لا ينهار، ولا يتوقف، بل يبني حياة كاملة، بكل ما تحمله من نجاحات وإخفاقات، من علاقات وقطيعات، من لحظات امتلاء وأخرى فراغ. لكنه، رغم كل ذلك، يحتفظ في داخله بمساحة خاصة، مغلقة بإحكام، لا يدخلها أحد. ليست مجرد ذكرى، بل حالة شعورية محفوظة كما هي، دون تعديل أو تشويه. مساحة لا تُمس، لأن المساس بها يعني إعادة فتح أسئلة لم تُجب، ومشاعر لم تُحسم.

ثم، في لحظة لا تُخطط، ولا تأتي نتيجة سعي، يحدث اللقاء.

لا يأتي بصخب، ولا يحمل طابع المفاجآت الدرامية، بل يحدث بهدوء شديد، كأنه كان مؤجلًا فقط حتى ينضج الطرفان بما يكفي لفهمه. تتلاقى العيون أولًا، وفي جزء من الثانية، يحدث شيء لا يمكن تفسيره بالكلمات. ليس تذكرًا بالمعنى التقليدي، بل استعادة كاملة لحالة قديمة، كأن الزمن اختصر نفسه، وعاد إلى نقطة البداية دون أن يطلب إذنًا.

الملامح تغيرت، الزمن ترك أثره، التفاصيل لم تعد كما كانت، لكن الإحساس… الإحساس نفسه يعود كما هو، وربما أعمق. لا ارتباك الطفولة، ولا اندفاع الشباب، بل هدوء يحمل يقينًا صامتًا: هذا هو الشيء الذي ظل ناقصًا طوال الطريق.

في هذا اللقاء، لا يحاول أحد أن يعوض ما فات، ولا أن يعيد الزمن إلى الوراء. لا توجد رغبة في التمثيل أو إثبات المشاعر، لأن كل شيء واضح بدرجة لا تحتاج إلى شرح. الكلمات تصبح أقل أهمية، لأن الصمت نفسه يقول ما يكفي. النظرة تحمل تاريخًا كاملًا، والابتسامة تختصر سنوات من الغياب، والوجود في حد ذاته يصبح إجابة عن أسئلة ظلت معلقة طويلًا.

وهنا، يتحول الحلم إلى حقيقة… ليس لأنه تحقق بالصورة المثالية التي كانت تُرسم في الخيال، بل لأنه تحقق في صورته الصادقة. لم يعد مجرد احتمال أو ذكرى، بل تجربة مكتملة، لها بداية مؤجلة ونضج متأخر ومعنى واضح. يتحقق لأنه لم يمت رغم الانقطاع، لأنه صمد رغم البدائل، لأنه بقي حيًا في مكان لا تصل إليه الظروف ولا تفسده الحسابات.

هذا النوع من الحب لا يُقاس بعدد الأيام التي قضاها الطرفان معًا، بل بقدرته على البقاء رغم الغياب. هو ليس حب اللحظة، بل حب الامتداد؛ الامتداد عبر الزمن، عبر التحولات، عبر كل ما كان يمكن أن يطمسه ولم يفعل.

في النهاية، لا يكون الانتصار في أن يلتقي شخصان بعد طول فراق، بل في أن يلتقيا وهما ما زالا يحملان نفس الإحساس، لكن بوعي مختلف. وعي يعرف قيمة ما حدث، ويدرك أن بعض الأحلام لا تأتي في وقتها… لكنها حين تأتي، تعوض كل ما تأخر.

هنا فقط، لا يعود الحب فكرة مؤجلة، ولا ذكرى ناقصة، بل يصبح حقيقة هادئة… عميقة… لا تحتاج إلى إثبات، لأنها ببساطة نجت من الزمن، وانتظرت حتى أصبحت أقوى منه.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء