نجلاء أحمد: طقوس العيد مصرية الأصل ومستمرة رغم تغييرات العصر الحديث| حوار
نجلاء أحمد لـ ايجبتك..
ـ طقوس العيد تعيد الروابط الأسرية وتمنح الأطفال أول درس في العطاء
ـ الكعك والفسيخ والموسيقى التراثية تجمع بين الماضي والحاضر في فرحة واحدة
ـ وسائل التواصل تغير الشكل لكن روح العيد في اللقاء والمشاركة باقية
عيد الفطر في مصر ليس مجرد مناسبة دينية؛ إنه احتفال ثقافي واجتماعي يمتد جذوره عبر التاريخ، من الحضارة المصرية القديمة بداية من العصر الفاطمي إلى أزقة القاهرة الحديثة.
في هذا اليوم تتداخل الطقوس الدينية مع الموروث الشعبي، من صلاة العيد وزكاة الفطر، بتحضير الكعك والاحتفاء بالمأكولات التقليدية، وصولًا إلى الأغاني التي أصبحت أيقونات سماعية للاحتفال.
وفي هذا الحوار الخاص مع “إيجبتك”، تلتقي مع د. نجلاء أحمد حسن، الباحثة في الأنثروبولوجيا الثقافية ونائب مدير مكتبة القاهرة الكبرى بوزارة الثقافة، للحديث حول دور عيد الفطر في تعزيز قيم التكافل والتراحم، وإحياء الروابط الاجتماعية، والحفاظ على التراث الثقافي في ظل تحديات الحداثة ووسائل التواصل الاجتماعي، وفيما يلي نص الحوار التالي:
كيف تنظرون إلى عيد الفطر بوصفه مناسبة ثقافية واجتماعية تتجاوز كونه مجرد مناسبة دينية؟
ـ فلكلور عيد الفطر في مصر هو مزيج عبقري بين الشعائر الدينية والموروثات الشعبية التي تراكمت عبر العصور "خاصة العصر الفاطمي"، والتراث كائن حي متجدد لا يموت، والعيد في مصر هو انتصار للهوية؛ فهو يثبت أن الشخصية المصرية قادرة على هضم كل الحضارات وصهرها في قالب واحد من البهجة، والشعب المصري شعب يلبس "الأبيض" كالفراعنة، ويوزع "العيدية" كالفاطميين، ويصلي بـ "مقامات" شرقية تملأ الساحات، لنعلن للعالم أننا "صناع الفرح" الأوائل.
ما الدور الذي يلعبه العيد في تعزيز قيم التكافل والتراحم داخل المجتمعات العربية؟
ـ يلعب العيد دوراً محورياً في إعادة صياغة الروابط الاجتماعية، حيث يتحول من مجرد "مناسبة دينية" إلى مؤسسة تكافلية متكاملة تعزز القيم الإنسانية عبر عدة محاور متجددة عام بعد عام وجيل بعد جيل، مثل تذويب الفوارق الطبقية.
تبرز زكاة الفطر كآلية اقتصادية واجتماعية تضمن حد الكفاية لجميع الأسر، مما يجعل الفرحة "عامة" وليست حكراً على الميسورين والاغنياء بل يسارع الجميع لاسعاد الكل ، وهو ما يرسخ الشعور بالمساواة والعدالة الاجتماعية.
ويعتبر العيد فرصة ذهبية متجددة لاعادة وترميم العلاقات الإنسانية، ويعد العيد فرصة ذهبية لـ صلة الرحم وإنهاء الخصومات والمشاحنات، حيث تفرض التقاليد الشعبية والدينية "المبادرة بالسلام"، مما يسهم في تنقية الأجواء الاجتماعية وإعادة بناء الثقة بين الأفراد.
تتجاوز المسؤولية الجماعية “العيدية والصدقات” كونها عيدية منحت نقدياً للأطفال؛ فهي تدريب عملي يشهده الصغار مع أهلهم لترسيخ قيمة "العطاء" وإشعار الفئات الأضعف، والأكثر احتياجا للدفء المجتمعي في ظل حياة الغلاء المعيشي “كالأيتام وكبار السن” بأنهم في قلب الاهتمام المجتمعي.
كذلك يحقق العيد الاندماج والمشاركة الوجدانية عبر ممارسة الشعائر الجماعية مثل التحضير للذهاب إلى صلاة العيد ولقاء الجيران والأهل والاصدقاء باعمارهم المختلفة في الساحات العامة تخلق حالة من "الوحدة الوجدانية"، حيث يتشارك الجميع تكبيرات " العيد الله اكبر" وارتداء اجمل زي واعلاء اسمى المشاعر الوجدانية ، مما يقوي "النسيج الوطني" والتماسك المجتمعي.
ويعتبر العيد مهرجانا اقتصاديا ينشط حركة الشراء والبيع المرتبطة باحتياجات العيد، وغالباً ما تترافق مع مبادرات شبابية أو أهلية لتوزيع "شنط العيد" وملابس الأيتام، مما يعزز روح التطوع والعمل الأهلي.
برأيك.. هل ما زالت طقوس العيد التقليدية حاضرة في حياتنا كما كانت في الماضي؟ أم أن الحداثة غيرت ملامحها؟
ـ في واقع الأمر أن الجذور الأولى لطقوس العيد تاتي من المصري القديم، “رمزية الكعك” تعبر عن قرص الشمس المقدس، بدات الحكاية من طيبة ومنف؛ حيث اعتبر المصري القديم العيد "عودة للحياة" في مقابر الدولة الحديثة، وتحديداً في مقبرة الوزير "رخمي رع" بالأسرة الثامنة عشرة، نجد نقوشاً تفصيلية لنساء يشكلن العجين على هيئة أقراص مستديرة تُشبه قرص الشمس “الإله رع” ، وتُحشى بالعسل والفواكه المجففة.

كان هذا "القرص" هو الجد الشرعي لكعك العيد الذي نأكله اليوم، وكان يُقدم كقرابين للآلهة في الأعياد الجنائزية وأعياد الحصاد، ليبقى "المذاق الحلو" هو الرابط الأبدي بين المصري ومناسباته السعيدة.
وكذلك ارتبط العيد حتى عصرنا هذا بزيارة مقابر الاسرة وقراءة القران بالقرافة وحمل الزهور إليهم بتذكرهم والوفاء لذكراهم، ومع دخول العصر الإسلامي، وتحديداً في الدولة الفاطمية، اتخذ العيد شكلاً مؤسسياً مبهراً، أنشأ الفاطميون ما عُرف بـ "دار الفطرة"، وهي مؤسسة كبرى كان يعمل بها مئات الصناع لإنتاج كميات هائلة من الكعك والحلوى لتوزيعها على الشعب في يوم العيد.
ولم تكن "العيدية" مجرد نقود، بل بدأت تشمل ملابس جديدة وحلويات فاخرة يوزعها الخليفة من "باب الذهب"، لتتحول بمرور الزمن إلى تلك العملات الورقية الجديدة التي يخبئها الأطفال في جيوبهم بلهفة.
طقس "الفسيخ"الذي كسر الصيام بمذاق النيل.. من أعجب التقاليد المصرية في عيد الفطر هي الإقبال على أكل "الفسيخ والرنجة". هذا الطقس ليس عشوائياً، بل هو استدعاء لطقوس "شم النسيم" الفرعونية، فالمصري الذي صام شهراً كاملاً، يختار في عيده أن يعود لأصله "النيلي"، فيأكل السمك المملح الذي كان رمزاً للخصوبة والخير عند الأجداد، في مزيج فريد يجمع بين الشعيرة الدينية والموروث البيئي.
اما عن طقوس العيد والفلكلور المعاصر، فنحن نسمع في ليلة العيد صوت صفاء ابو السعود وام كلثوم، وفي العصر الحديث، اكتملت ملامح العيد بـ "أيقونات سماعية"، فلا يبدأ العيد في مصر إلا بصوت أم كلثوم وهي تشدو "يا ليلة العيد آنستينا"، ولا يكتمل إلا بضحكة صفاء أبو السعود في "أهلاً بالعيد".
هذه الأغاني تحولت إلى "مانشيتات" موسيقية تعلن انطلاق صافرة الفرح في الميادين، وركوب الحناطير على الكورنيش، وازدحام الاطفال بصحبة ذويهم وخصوصا في الريف حول “المراجيح”.. الملاهي الشعبية التي كانت تعد مهرجانا كبيرا في المناطق الشعبية القديمة مثل حي الحسين وحي السيدة زينب، وباب الشعرية والحلمية ومنطقة الازهر.
ما أبرز الذكريات التي ما زالت عالقة في ذاكرتكم عن عيد الفطر في الطفولة؟
ـ اتذكر ان اخر اسبوع في شهر رمضان كانت أمي تحضر عجينة الكعك ونذهب إلى بيت جدتي واقابل خالاتي و أبنائهم ونقوم بتشكيل كعك العيد بواسطة منقاش الكعك وكل منا يصنع لوحته على سطح الكعكة السادة والمحشو بالملبن والمكسرات، وكذلك تشكيل البسكويت والغريبة ووضع اللوز المقشر في وسطها ، حتى ننتهي من الكمية ونقوم انا وأبناء هالي وأبناء خالاتي بحمل "صاجات الكعك" على شكل أدوار نحملها على رؤسنا حتى فرن العيش وننتظره حتى يبرد ونحمل معنا صناديق الكعك واكياس السكر السنترفيش ونتنافس في تبادل الكعكات التي قمنا بنقشها وتشكيلها
وفي ليلة العيد نسهر حتى الصباح نرتدي ملابسنا ونذهب معا إلى ساحة مسجد السيدة زينب رئيسة الديوان لاداء صلاة العيد، وعندما نرجع إلى بيوتنا نحمل اطباق الكعك والبسكوت والغريبة إلى جيراننا
وكنا نسهر ولا نشعر بالتعب فغدا سنذهب للتنزه على كورنيش النيل والتقاط الصور بكاميرا الاب وننتظر تحميض الفيلم ونتنافس في اقتناء اللقطات التلقائية العفوية التي تملأ البومات بيوت الأسرة المصرية
كيف أثرت وسائل التواصل الاجتماعي على طريقة الاحتفال بعيد الفطر والتواصل بين الناس؟
ـ الحداثة والعولمة هي تحديات هذا العصر في الحفاظ على الهوية الثقافية للمجتمع قد سيطرت عليه وسائل التواصل الاجتماعي وثورة التكنولوجيا التي جعلت البعض قد ينعزل ويكتفي، باللايك والتعليقات على صفحاتهم و اصاب البعض بالفتور احيانا ولكن احياء الطقوس الدينية هي المحفزة لهم للاستمرار في استعادة التراث وإعادة إنتاجه ، والتمسك بصلة الرحم تصنع حالة العيد ، فلا عيد بدون زيارة بيت الأجداد و الجدات التي تستقبل أبنائها واحفادها في يوم العيد بعد صيام شهر رمضان المبارك