في وداع رمضان.. كيف عبر الأدباء والشعراء عن رحيله؟|تقرير
يجيء شهر رمضان كل عام محمّلًا بطاقة روحية خاصة، لا تمس العابد وحده، بل تمتد إلى وجدان المبدع أيضًا، فتوقظ داخله مناطق التأمل وتعيد ترتيب علاقته بالكلمات وبالعالم، و في هذا الشهر تخف وطأة الإيقاع اليومي، ويصبح للزمن طعم مختلف، فتتراجع الضوضاء لصالح الإصغاء، ويعلو صوت المعنى على تفاصيل العادة؛ لذلك احتل رمضان مكانة بارزة في شهادات الأدباء، إذ يرونه فرصة للهدنة مع النفس، ولمراجعة المسار، ولإعادة كتابة الذات على مهل، بعيدًا عن استعجال الأيام.
رمضان حالة وجدانية أكتب من داخلها
في البداية يقول الشاعر الدكتور أحمد نبوي إن رمضان، في جوهره، تجربة إنسانية عميقة تضع الإنسان وجهًا لوجه أمام ذاته، بعيدًا عن صخب العادة ورتابة اليومي، مشيرًا إلى أنه شهر تتجدد فيه قيم الرحمة والتكافل ويستعيد فيه القلب قدرته على الإحساس النقي.
ويرى أن رمضان إبداعيًا يمثل له زمنًا للصفاء الداخلي، حيث تصبح الروح أكثر استعدادًا لاستقبال الفكرة وأكثر ميلًا إلى التأمل، وكأن الكتابة في هذا الشهر تنبع من منطقة أكثر صدقًا وعمقًا.
استعادة التوازن الروحي
ويضيف أن لرمضان حضورًا خاصًا في وجدانه، ليس بوصفه زمنًا شعائريًا فحسب، بل باعتباره ذاكرة حية تختلط فيها صور الطفولة بنداءات المسحراتي ودفء الأسرة وبهجة الانتظار، موضحا أنه مع مرور السنوات صار هذا الحضور أكثر هدوءًا وأعمق أثرًا، كأنه مساحة سنوية لمراجعة الذات واستعادة التوازن الروحي.
ويؤكد أن رمضان ينعكس في كتاباته غالبًا بصورة غير مباشرة؛ فقد لا يكتب عنه كموضوع مستقل، لكنه يتسلل إلى نبرة النص وروحه، ففي الشعر تميل اللغة إلى مزيد من الشفافية والسكينة، وتقترب المفردات من الهمس والتأمل، بينما يحضر في السرد كزمن كاشف تتجلى فيه التحولات الداخلية للشخصيات، مشيرا إلى أن رمضان ليس مجرد مناسبة يكتب عنها، بل حالة وجدانية يكتب من داخلها، وتترك أثرها في النص دون استئذان.
رمضان شهر يدخلنا من بوابة القلب
فيما تقول الكاتبة والشاعرة فاطمة ناعوت إن شهر رمضان يمثل لها نسمةً حانية وسط هجير الحياة القائظ، مؤكدة أنه في مصر ليس مجرد صفحة في التقويم، بل لحظة صفاء جماعي ونبالة وتآخ وإيثار، يخفُّ فيها ضجيج الذات ويعلو صوت المعنى، حتى يبدو وكأنه شهر يدخل الناس من بوابة القلب قبل أي باب آخر.
وتضيف أن المدينة في رمضان تستعيد ملامحها القديمة التي تحاول الحداثة إخفاءها تحت وطأة التسارع والاستهلاك، لكن الأمكنة في هذا الشهر تأبى إلا أن تستحضر ذكرياتها الأولى، فالشوارع تتزيّن بأيدي الأطفال، بفوانيس وشرائط وأعلام صغيرة يعلقونها بمحبة فطرية لا تعرف تمييزًا بين مسلم ومسيحي، في مشهد تُجسّد فيه الطفولة صورتها الأنقى البعيدة عن الكراهية.
وتشير إلى أن “موائد المحبة” التي تُنصب تحت تلك الزينة ليست بدافع المجاملة أو استعراض التسامح، بل تعبيرًا صادقًا عن المشاركة، مسيحيون يقيمون موائد لإفطار أصدقائهم المسلمين، ومسلمون يشاركون أصدقاءهم المسيحيين، في رسالة إنسانية تؤكد أن التشارك في الطعام لغة أقدم من كل اللغات، لغة تُقرّ بالأخوة الإنسانية ووحدة الأصل والمصير، حيث يتقدّم الإنسان وتتراجع الأسئلة الكبرى.
وتتابع أن لحظة الغروب في رمضان تحمل خصوصية لا تشبه سواها؛ فعندما تميل الشمس بلونها الذهبي، يهدأ الشارع كأنه يتهيأ لإصغاء سرّ مقدس، ثم يرتفع أذان المغرب، لا ليعلن موعد الإفطار فحسب، بل ليغمر المدينة بنداء الرجاء، بالإضافة صوت الشيخ محمد رفعت، الذي ترى أنه يُسمَع بالقلب قبل الأذن، جامعًا الناس في دائرة طمأنينة واحدة.
وتوضح أن التواشيح تمثل لحظة يلتقي فيها الذكر بالفن، مستدعية صوت الشيخ سيد النقشبندي وهو يشدو بـ«مولاي إني ببابك قد بسطت يدي» على ألحان الموسيقار بليغ حمدي، ذلك المزيج المصري الفريد الذي جعل الابتهال رسالة رحمة وسلام تحلّق فوق الجميع دون تمييز.
وتؤكد أن مشهد الشباب الذين يقفون قبل الأذان حاملين تمرًا وماءً وابتسامات للمارة، دون سؤال عن دين أو هوية، يلخص روح الشهر، و بعضهم مسيحيون أوفدتهم الكنائس لمشاركة إخوتهم المسلمين لحظة الإفطار، في صورة ترى أنها أبلغ من أي خطاب عن التعايش.
وتختتم ناعوت بأن رمضان في صورته المصرية العميقة ليس موسم مزايدات ولا استعراضًا للفضيلة، فالإيمان علاقة خاصة بين الإنسان وربه، لكنه فرصة هادئة لاستعادة إنسانيتنا الأولى، مشيرة أن أجمل ما فيه أنه لا يطالبنا بأن نكون ملائكة، بل أن نكون أقل قسوة وأكثر رحمة واتساعًا للقلب.
رمضان تاج الشهور
ويرى الشاعر والروائي أحمد فضل شبلول أن شهر رمضان يختلف عن سائر شهور العام بروحانياته ومواعيده وأكلاته وعاداته وتقاليده، لذلك ننتظره بشغف من عام إلى آخر.
ويضيف أن في رمضان تتزيَّن الشوارع والحارات والأزقة بالمناديل الورقية والفوانيس المصنوعة من السيلوفان الملوَّن والبوص والشرائح المعدنية.
ويوضح أن حال الناس يتحول بين صلاة التراويح أو الجلوس أمام شاشات التلفزيون لمتابعة ما يفضلونه من مسلسلات رمضانية، غير أننا نفتقد منذ سنوات الفوازير و"ألف ليلة وليلة" التي كانت تمنح أيام الشهر الكريم أجواء طفولية وعائلية مبهجة عشناها في الصغر.
ويشير شبلول إلى أنه كتب أكثر من نص شعري أو كتابي للأطفال عن رمضان، منها قصيدة "تاج الشهور" وقصيدة "يجيئنا رمضان" وغيرهما، بينما يحضر رمضان في كتابته للكبار بصورة غير مباشرة، سواء في الشعر أو في الرواية.
قلبي في أيام رمضان الأخيرة
أما الروائي والقاص محمود عرفات يقول إن شهر رمضان من أحب الأوقات إلى قلبه، موضحًا أنه في سنوات الدراسة لم يكن يكاد يذاكر فيه، بل كان يقضي أيامه بين كنوز مكتبة والده، متنقلًا بين مجلتي «الرسالة» و«الرواية» ومجلة «سندباد»، قبل أن تتسع دائرة قراءاته في مكتبة المدرسة الإعدادية، حيث اطّلع على مؤلفات طه حسين وتوفيق الحكيم ومحمود تيمور.
ويضيف أنه بعد انتهاء فترة تجنيده التي شارك خلالها في انتصار أكتوبر، توطدت صلته بالقرآن الكريم، فصار رمضان يرتبط لديه بقراءة المصحف، مشيرًا إلى أنه غالبًا ما يتوقف عن الكتابة الإبداعية خلال هذا الشهر، مكتفيًا بالتأمل والقراءة.
ويتابع أن رمضان يعيد إليه ذكريات الطفولة المضيئة بالفوانيس وفرحة الأطفال وترقّب المسحراتي وهو ينادي أهل البيوت للسحور، متذكرا بحنين طقوس إعداد الكحك والبسكويت في البيوت، وطوابير الفتيات اللواتي يحملن صواني الكحك إلى الأفران في نظام دقيق، وتبادل الأطباق بين الأسر، واشتهار بعض البيوت بإتقان الصنعة.
كما يستعيد حمى الملابس الجديدة، واحتضان الحذاء الجديد ليلة العيد كأنه كنز العام كله، واصفا كيف كانوا يهدؤون نهارًا، ثم يتحولون بعد الإفطار إلى طاقة لا تهدأ من اللعب والجري حتى يُساقوا إلى السحور.
ويشير عرفات إلى أنه كتب كثيرًا عن الأطفال الفقراء الذين يحلمون بملابس جديدة ولا يستطيعون، وعن آباء يعتصرهم الحزن لعجزهم عن توفير فرحة العيد لأبنائهم، وفي مجموعته القصصية «محطات للغياب» كتب قصة بعنوان «بكرة العيد» عن طفل يسعى جاهدًا ليجمع ما يكفي من نقود لشراء حذاء جديد.
ويختتم قائلًا إن قلبه ينقبض في الأيام الأخيرة من رمضان، شاعرًا كأنه يودّع حبيبًا عزيزًا، ويتنازعه انتظار العيد وفرحة الفطر مع أسف عميق على رحيل الشهر الكريم.
رمضان يرتبط لدي ببدء عمل إبداعي جديد
من جانبه يقول الروائي والناقد الدكتور السيد نجم إن لمقدم شهر رمضان مشاعر خاصة لديه، يغلب عليها الطابع الروحي المرتبط بعلاقة الإنسان بربه وبالناس من حوله، موضحًا أن الصوم فريضة لا تُقبل إلا بشروط، وكلما ازداد وعي الإنسان بنفسه كانت هذه الشروط أكثر إحكامًا في مشاعره وسلوكه.
ويرى أن هذا الإحساس ينتاب المسلم عمومًا، بوعي أو بدونه، لافتًا إلى وجود رابط خفي بين رمضان وطفولة المسلم، سواء في القرية أو المدينة، حيث ارتبط الشهر في الذاكرة بالألعاب النارية والسهر وأجواء البهجة الأولى.
ويضيف أن هذه الدوافع والمشاعر الداخلية، الإرادية وغير الإرادية، تنعكس حتمًا على حالته الوجدانية، إذ يشعر في رمضان بقدر أكبر من الهدوء، وتخفت داخله نزعات الغضب، ويصبح أكثر قربًا من المصحف وقراءة القرآن، وهي عادة ارتبطت لديه ارتباطًا وثيقًا بالصوم وشهر رمضان تحديدًا.
كما يؤكد أن التواصل الإنساني يتعزز في هذا الشهر، فيحرص على أن يكون ضمن برنامجه اليومي التواصل مع الأسرة والعائلة والأصدقاء، سواء عبر الهاتف أو اللقاء المباشر، خاصة مع أبنائه وأحفاده.
ويوضح أنه منذ سنوات بعيدة ارتبط رمضان لديه ببدء عمل إبداعي جديد، سواء بكتابة قصة قصيرة أو الشروع في رواية أو استكمال عمل روائي، مؤكدًا أن هذه الظاهرة تكررت معه كثيرًا.
ويشير إلى أنه حين تأمل هذا الارتباط وجد علاقة واضحة بين الصوم والتفكر الناضج الذي يثمر إبداعًا، لافتًا إلى أن تجربته الإبداعية في رمضان تنقسم إلى ثلاث مراحل، تمتد كل منها قرابة عشرة أيام؛ الأولى للبحث عن الفكرة أو بلورتها، والثانية لاختبار البدايات وكتابة المسودات الأولى، أما المرحلة الأخيرة فهي للكتابة المستقرة.