رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

 

لا يأتي العيد هذا العام كما اعتدناه؛ فبينما تُرفع التكبيرات في السماء، تتصاعد في الخلفية أصوات القلق، وتتصدر الأخبار مشاهد التوتر والاضطراب في الشرق الأوسط والخليج. في منطقة لم تهدأ صراعاتها بعد، يُصبح العيد مناسبة لاختبار المشاعر أكثر من كونه احتفالًا مكتملًا، حيث تختلط الفرحة بالحذر، والبهجة بوعي ثقيل بما يدور حولنا.

شرقٌ أوسط مُثقل بالأزمات:

منذ سنوات، تعيش المنطقة على إيقاع أزمات متشابكة؛ صراعات سياسية، توترات أمنية، وحروب مباشرة أو غير مباشرة. وفي ظل هذه الأجواء، لا يمكن فصل المناسبات الدينية والاجتماعية عن السياق العام. فالعيد - بما يحمله من رمزية الفرح والتجدد - يأتي هذه المرة في بيئة إقليمية مضطربة، حيث لا تزال بعض الشعوب تعيش تحت وطأة الحرب، بينما تعيش أخرى حالة ترقب دائم لأي تصعيد محتمل. وفي الخليج، رغم ما تتمتع به دوله من استقرار نسبي، يبقى الإحساس بالخطر حاضرًا، نتيجة تعقيدات المشهد الإقليمي وتشابك المصالح الدولية، ما ينعكس على المزاج العام ويمنح العيد طابعًا أكثر حذرًا.

العيد بين الداخل والخارج:

 

في الداخل، تحاول المجتمعات التمسك بطقوس العيد، كنوع من المقاومة النفسية للقلق.
الأسر تتجمع، والأطفال يفرحون، والحياة تستمر، لكن بوعي مختلف. فلم يعد العيد مجرد مناسبة للبهجة، بل أصبح أيضًا مساحة للتفكير، ولإدراك حجم التحديات التي تحيط بالوطن والمنطقة.

أما في الخارج، حيث تدور النزاعات، فيتحول العيد إلى ذكرى مؤلمة، تذكّر بما فُقد، أكثر مما تحتفل بما تبقّى. الاحتفال في مثل هذه الظروف لا يعني تجاهل الواقع، بل التعايش معه بوعي.
أن نفرح، لكن دون انفصال عن محيطنا. أن نحتفل، لكن دون أن نغفل عن مسؤولياتنا تجاه ما يحدث من حولنا.

وهنا، يُصبح العيد فرصة لتعزيز قيم التضامن، لا فقط داخل المجتمع، بل مع شعوب المنطقة التي تعاني، سواء بالدعم المعنوي أو بالمواقف الإنسانية. كما تكشف أجواء العيد في زمن التوتر عن حقيقة عميقة: أن السياسة لا تبقى في حدودها النظرية، بل تمتد لتؤثر في أبسط تفاصيل الحياة اليومية. فقرار سياسي، أو تصعيد عسكري، يمكن أن يغيّر شعور الملايين، ويعيد تعريف مناسبات يُفترض أن تكون بعيدة عن الصراعات.

وهذا ما يجعل من العيد في مثل هذه اللحظات مرآة تعكس واقع المنطقة، أكثر مما تعكس مجرد طقس اجتماعي..
فالإنسان، حتى في أقسى الظروف، يبحث عن لحظة نور صغيرة، عن معنى يعيد إليه توازنه. ولهذا، يبقى العيد، وحتى في زمن الحرب، مساحة إنسانية مقاومة للانكسار.

العيد كما يراه الآخرون:

بينما تُضاء الشوارع في مكان، تُطفأ في مكان آخر. هناك من يستيقظ على صوت التكبير، وهناك من يستيقظ على صوت القصف. هذه المفارقة القاسية تجعل العيد تجربة غير متكافئة.

الحرب تُغيّر معنى الأشياء:

في زمن الحرب، تتغير دلالات بسيطة؛
العيدية تصبح رفاهية، والملابس الجديدة تفصيلًا ثانويًا، والتجمعات حلمًا مؤجلًا.
لكن في المقابل، تُصبح الأشياء الصغيرة أكثر قيمة: لقاء العائلة، سلامة الأحباب، القدرة على النوم دون خوف.

وهنا، يعيد العيد تعريف نفسه، لا كطقس اجتماعي فقط، بل كحالة تقدير للحياة في أبسط صورها.

خاتمة: العيد… ما تبقّى من إنسانيتنا

في النهاية، لا يستطيع العيد أن يوقف الحروب، ولا أن يغيّر موازين القوة، لكنه يذكّرنا بشيء أكثر أهمية: أننا ما زلنا بشرًا، نحتاج الفرح، ونشعر بالألم، ونملك القدرة على التعاطف.

في زمن الحرب، لا يكون العيد كاملًا، لكنه لا يغيب.
يبقى حاضرًا كإصرار إنساني على الحياة، وكذكرى بأن العالم — رغم قسوته — لا يزال قادرًا على أن يمنحنا لحظة دفء.

فربما يكون أعظم ما في العيد، ليس ما نملكه فيه…
بل ما نشعر به تجاه من فقدوا كل شيء.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء