انقسام بالبيت الأبيض.. استقالة كينت تفتح ملف الخلافات حول حرب إيران| تقرير
تشهد الإدارة الأمريكية في هذه المرحلة حالة غير مسبوقة من التباين والجدل الداخلي، في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالملف الإيراني واتساع نطاق العمليات العسكرية الجارية، وهو ما انعكس بشكل واضح على تماسك فريق العمل داخل البيت الأبيض، وأثار تساؤلات واسعة حول طبيعة صنع القرار في هذه اللحظة الحساسة.
الانخراط في المواجهة العسكرية
وفي تطور لافت، أعلن جو كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، استقالته من منصبه، في خطوة اعتبرها مراقبون تعبير صريح عن رفضه للسياسات المتبعة تجاه إيران، خاصة في ما يتعلق بالانخراط في المواجهة العسكرية.
وجاءت استقالته بمثابة رسالة احتجاج تحمل في طياتها انتقادات حادة للمسار الذي تتخذه الإدارة، حيث أكد أنه لا يستطيع دعم هذه الحرب بما يتوافق مع قناعاته المهنية والأخلاقية، وفقًا لوسائل إعلام أمريكية.
وقد وجه كينت رسالته مباشرة إلى الرئيس دونالد ترامب، داعيا إياه إلى إعادة النظر في النهج المتبع، ومشيرا إلى أن استمرار هذا المسار قد يقود البلاد إلى مزيد من التعقيد وعدم الاستقرار. كما حذر من أن الانزلاق نحو تصعيد أوسع قد تكون له عواقب استراتيجية وبشرية واقتصادية كبيرة على الولايات المتحدة.

القرار العسكري قد تأثر بعوامل وضغوط خارجية
وفي سياق حديثه، أشار كينت إلى أن التهديد الإيراني، من وجهة نظره، لا يرتقي إلى مستوى التهديد المباشر الذي يستدعي حربا واسعة، معتبرا أن القرار العسكري قد تأثر بعوامل وضغوط خارجية، وليس فقط بتقديرات أمنية خالصة. وذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن بعض القرارات المتخذة تعيد إلى الأذهان تجارب سابقة في المنطقة، والتي كلفت الولايات المتحدة كثيرا على مختلف المستويات.
كما حذر من تكرار سيناريوهات تاريخية مشابهة، مستشهدا بما حدث في حروب سابقة في الشرق الأوسط، حيث تم دفع الولايات المتحدة إلى مواجهات طويلة الأمد استنزفت قدراتها وأثرت على استقرارها الداخلي. واعتبر أن هناك أطراف تعمل على التأثير في الرأي العام وصناعة القرار من خلال خطاب إعلامي وسياسي منسق يهدف إلى دفع الإدارة نحو خيارات أكثر تصعيدا.
وفي المقابل، جاء رد الرئيس ترامب على استقالة كينت سريع ومقتضب، حيث وصفه بأنه لم يكن على مستوى المسؤولية المطلوبة، معتبرا أن مغادرته للمنصب في هذا التوقيت لا تشكل خسارة، بل تعكس اختلاف في الرؤية لا أكثر.

مستوى التصعيد أو حدود الانخراط العسكري
وبالتوازي مع هذه التطورات، تشير تقارير من داخل البيت الأبيض إلى وجود حالة من التباين الواضح بين أعضاء الدائرة المقربة من الرئيس، حيث برزت خلافات حول طبيعة التعامل مع الملف الإيراني، سواء من حيث مستوى التصعيد أو حدود الانخراط العسكري.
وتكشف هذه التقارير عن اختلاف في وجهات النظر بين كبار المسؤولين، من بينهم نائب الرئيس جي دي فانس، الذي يقال إنه يتبنى موقفا أكثر تحفظ تجاه التورط في حرب طويلة الأمد، ويميل إلى دعم العمليات العسكرية المحدودة التي تحقق أهدافاً سريعة دون الانزلاق إلى صراعات مفتوحة. وتشير المعلومات إلى أن حضوره العلني خلال الفترة الأخيرة كان محدودا، وهو ما أثار تساؤلات داخل الأوساط السياسية حول دوره الفعلي في هذه المرحلة، وفقًا لقناة "سي إن إن".

حجم التعقيد الذي يواجه عملية اتخاذ القرار
كما برزت اختلافات أخرى بين بعض كبار المسؤولين، لا سيما في ما يتعلق بالخيارات العسكرية المطروحة، حيث يميل بعضهم إلى الاكتفاء بالضربات الجوية وتجنب نشر قوات برية، بينما يرى آخرون أن تحقيق الأهداف الاستراتيجية قد يتطلب تصعيد أكبر يشمل تدخل مباشر على الأرض. هذا التباين يعكس بوضوح حجم التعقيد الذي يواجه عملية اتخاذ القرار داخل الإدارة.
نقاش مستمر داخل أروقة صنع القرار
وتشير مصادر مطلعة إلى أن وزير الخارجية يتبنى موقف داعم للعمليات العسكرية المحدودة مع التحفظ على توسيع نطاق الحرب أو إطالتها، في حين يطرح وزير الحرب رؤية أكثر تشددا تقوم على إمكانية استخدام قوة برية لتحقيق حسم سريع، وهو ما يثير نقاش مستمر داخل أروقة صنع القرار.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين إظهار القوة من جهة، وتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة من جهة أخرى، خاصة في ظل المخاوف من التداعيات الداخلية المحتملة، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، إضافة إلى تأثير ذلك على الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

تزايد فيه الضغوط الداخلية والخارجية
كما أثارت حالة الغياب النسبي لبعض الشخصيات البارزة في الإدارة تساؤلات لدى الرأي العام، حيث طرحت علامات استفهام حول مستوى التنسيق بين أعضاء الفريق الرئاسي، ومدى قدرتهم على العمل بشكل منسجم في ظل هذه التباينات.
وفي النهاية، تعكس هذه التطورات صورة مشهد سياسي وأمني معقد داخل الولايات المتحدة، حيث تتقاطع المصالح والرؤى المختلفة حول كيفية التعامل مع أزمة متصاعدة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية والخارجية، ما يجعل القرارات المتخذة في هذه المرحلة ذات تأثير بالغ على مستقبل السياسة الأمريكية واتجاهاتها خلال الفترة القادمة.

