عدلي يكن.. كيف أسس أول وزارة وقاد معركة الاستقلال سياسيًا
تحل اليوم 19 مارس ذكرى تشكيل أول وزارة في مصر برئاسة عدلي يكن، أحد أبرز رجال السياسة في تاريخ مصر الحديث، والذي لعب دورًا مهمًا في مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد، سواء من خلال قيادته للحكومة أو إسهاماته في تطوير التعليم وبناء مؤسسات الدولة.
النشأة المبكرة
ولد عدلي يكن في 24 يناير عام 1864 في القاهرة، لأسرة عريقة ذات أصول تركية ألبانية، تمتد جذورها إلى عدة مناطق في الشرق الأوسط، ويعد يكن من أقارب محمد علي باشا، إذ كان حفيد شقيقته، وهو ما أكسبه مكانة اجتماعية بارزة منذ نشأته.
في سن مبكرة، سافر إلى الأستانة مع والده، حيث تلقى تعليمه الأولي واكتسب خبرات مبكرة في الحياة السياسية والثقافية، ثم عاد إلى مصر ليواصل دراسته في عدد من المدارس الأجنبية، قبل أن يستكمل تعليمه في فرنسا، حيث أتقن اللغة الفرنسية واكتسب ثقافة واسعة أهلته لاحقًا لتولي مناصب مهمة.
مسيرة تعليم
شغل عدلي يكن منصب وزير المعارف، وترك خلال هذه الفترة بصمات واضحة في تطوير التعليم المصري، إذ كان من أوائل من سعوا إلى تعريب التعليم، فجعل اللغة العربية هي اللغة الأساسية في مراحل التعليم الابتدائي والثانوي، وهو قرار ساهم في ترسيخ الهوية الوطنية داخل المؤسسات التعليمية.
كما اتخذ خطوات جادة نحو إنشاء جامعة حكومية مصرية، واهتم بتطوير العملية التعليمية من جذورها، فأنشأ مدارس لرياض الأطفال، وأسهم في تأسيس مدارس ابتدائية حكومية، إضافة إلى إنشاء مدرسة لتخريج معلمي اللغة الفرنسية والعلوم، والتي عرفت باسم "المعلمين التوفيقية"، ما ساعد في إعداد كوادر تعليمية مؤهلة.
تشكيل الوزارة
في 16 مارس 1921، شكل عدلي يكن أول وزارة له، في وقت كانت فيه مصر تمر بظروف سياسية معقدة، خاصة في ظل السعي للحصول على الاستقلال، وخلال فترة رئاسته للحكومة، شارك في مفاوضات مهمة مع بريطانيا، أبرزها مفاوضاته مع اللورد كورزون وزير الخارجية البريطاني، في محاولة للوصول إلى اتفاق يضمن استقلال مصر.
لكن هذه المفاوضات لم تحقق النتائج المرجوة، ما دفعه إلى تقديم استقالته، في موقف يعكس تمسكه بمواقفه السياسية ورؤيته لمصلحة البلاد، وعدم قبوله بحلول لا تلبي طموحات الشعب المصري.
الحياة الحزبية
كان عدلي يكن من مؤسسي حزب الأحرار الدستوريين في عام 1922، وهو أحد الأحزاب السياسية المهمة في تلك الفترة، حيث سعى الحزب إلى دعم الحياة الدستورية وترسيخ مبادئ الحكم النيابي، وتولى يكن رئاسة الحزب، وكان له دور بارز في الحياة السياسية المصرية من خلال هذا الكيان.
كما تولى رئاسة الوزراء ثلاث مرات بين عامي 1921 و1930، وشكل خلال هذه الفترات حكومات ائتلافية، من بينها حكومة جمعت بين حزبي الوفد والأحرار الدستوريين، في محاولة لتحقيق توافق سياسي، إلا أن الخلافات السياسية حالت دون استمرار هذه الحكومات لفترات طويلة.
مناصب متعددة
إلى جانب رئاسة الوزراء، تولى عدلي يكن عدة مناصب مهمة، منها منصب وزير الداخلية، كما عين رئيسًا لمجلس الشيوخ، وهو ما يعكس الثقة الكبيرة التي حظي بها في الأوساط السياسية، وقد ساهمت خبرته الواسعة في إدارة شؤون الدولة خلال مرحلة مليئة بالتحديات السياسية والاقتصادية.
رحيل هادئ
توفي عدلي يكن في باريس في 22 أكتوبر عام 1933، بعد مسيرة حافلة بالعطاء في مجالي السياسة والتعليم، تاركًا وراءه إرثًا مهمًا في بناء الدولة المصرية الحديثة، سواء من خلال تأسيس أول وزارة مصرية أو إسهاماته في تطوير النظام التعليمي.