رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الضربات ضد النفط الإيراني.. زالزال يغير معادلة الحرب بين واشنطن وطهران

قصف المنشآت الإيرانية
قصف المنشآت الإيرانية النفطية

للمرة الأولى منذ اندلاع المواجهة الشاملة، هاجم سلاح الجو الإسرائيلي البنية التحتية النفطية في إيران، في خطوة تبدو كتحول استراتيجي بعيداً عن التركيز التقليدي على القيادات، والأجهزة الأمنية، ومنشآت الصواريخ، مما يثير التساؤل حول كيف غيرت الضربة الأخيرة من معادلة الحرب الحالية وكيف يمكن أن تضر بالإقتصاد الإيراني.

رسالة موجهة للأسواق المالية

حدد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أهداف القصف بأنها "مستودعات تخزين الوقود التي تستخدمها القوات العسكرية لنظام الإرهاب الإيراني".

 ووفقاً للبروفيسور يوسي مـان، المختص في شؤون الشرق الأوسط بجامعة بار إيلان، فإن هذا الصياغة ليست عفوية؛ فالتأكيد على أن الوقود يخص "الجيش" وليس "البنية التحتية المدنية" يهدف لإرسال إشارة مباشرة للأسواق المالية العالمية: هذه ضربة لقوة النظام الحربية، وليست هجوماً يعطل قدرة إيران على إنتاج النفط وتصديره.

 يوضح مـان: "السوق يميز بوضوح بين ضرب الوقود المكرر وبين ضرب النفط الخام".

تشريح إمبراطورية النفط الإيرانية

لفهم الفجوة بين ما قصده سلاح الجو وبين توجيه ضربة حقيقية لقدرات إنتاج النفط، يجب النظر إلى الخريطة الكاملة؛ فالبنية التحتية النفطية في إيران تتكون من ثلاث طبقات حقول النفط وتتركز معظمها في إقليم الأهواز (خوزستان) جنوب غرب إيران، والمصافي والمستودعات: وأشهرها مصفاة عبادان التاريخية، وموانئ التصدير وأهمها جزيرة خارق شمال غرب الخليج العربي، والتي يمر عبرها نحو 90% من الصادرات الإيرانية عبر مضيق هرمز.

أثر العقوبات الأمريكية

يشير مـان إلى أن إنتاج إيران تراجع من 6 ملايين برميل يومياً قبل الثورة الإسلامية عام 1979 إلى نحو 3.3 مليون برميل حالياً. السبب الرئيسي هو العقوبات التي فرضتها إدارة أوباما وشددها ترامب، والتي منعت شركات عالمية مثل إكسون وشيفرون من صيانة وتطوير الحقول الإيرانية.

بالنسبة لنظام "الآيات"، يمثل النفط شريان الحياة؛ ففي عام 2025 بلغت إيرادات الدولة نحو 82 مليار دولار، نصفها من النفط ومشتقاته. بهذه الأموال يمول النظام الجيش، والحرس الثوري، ويدعم الخدمات الأساسية، وعلى رأسها أسعار الوقود المحلية.

توقيت "قاتل" قبل عيد النيروز

للضربة الإسرائيلية بعدٌ اجتماعي خطير؛ فالمخازن المستهدفة تغذي أيضاً شبكة المواصلات العامة ومحطات الوقود المدنية. جاء الهجوم قبيل عيد النيروز (رأس السنة الإيرانية) الذي يصادف 20 مارس، وهي فترة يزداد فيها الطلب على البنزين لسفر العائلات. وبالفعل، بدأت التقارير الواردة من طهران تشير إلى قيام النظام بتقنين استهلاك البنزين، مما قد يشعل الاحتجاجات الشعبية مجدداً كما حدث في يناير الماضي.

الزلزال العالمي بانتظار "ترامب"

منذ اندلاع الحرب الحالية، قفز سعر النفط الخام إلى أكثر من 90 دولاراً للبرميل، بزيادة قدرها 35% في أسبوع واحد فقط. لكن هذا الارتفاع ليس بسبب القصف الإسرائيلي، بل بسبب قيام إيران بتنفيذ تهديدها القديم بـ إغلاق مضيق هرمز فعلياً، حيث تعرضت أكثر من 10 ناقلات للحرق، مما أدى لاحتجاز 140 مليون برميل داخل الخليج.

في إسرائيل، يُتوقع أن تقفز أسعار الوقود بنسبة 12% الشهر المقبل، بينما تؤجل البنوك المركزية في أمريكا وأوروبا خفض أسعار الفائدة بسبب التضخم الناتج عن أزمة الطاقة. يختم مـان بقوله: "بمجرد كسر حاجز 95 دولاراً، سنرى البرميل يتجاوز الـ 100 دولار". 

 تداعيات استراتيجية واقتصادية على دول الخليج

وقالت مونيكا ويليام، الباحثة في العلاقات الدولية، أنه عمليا تشير تطورات الحرب الحالية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إلى تحول خطير في طبيعة الأمن الإقليمي في الخليج، فلم تعد المواجهة مقتصرة على ساحات القتال المباشرة داخل الأراضي الإيرانية، بل امتدت تداعياتها الاستراتيجية والاقتصادية إلى دول الخليج التي أصبحت عملياً إحدى ساحات التأثير الرئيسية في هذا الصراع.

 وأكدت ويليام في تصريحات خاصة بلـ"إيجبتك"، أنه خلال الأيام الأولى للحرب، تعرضت عدة دول خليجية لهجمات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت منشآت حيوية وموانئ وبنى تحتية للطاقة، وهو ما شكل صدمة استراتيجية للدول الخليجية التي كانت تحاول في السنوات الأخيرة الحفاظ على قدر من التوازن بين علاقاتها مع الولايات المتحدة من جهة، ومسار التهدئة مع إيران من جهة أخرى.  

وأوضحت الباحثة في العلاقات الدولية، أنه قد كشفت هذه التطورات عن هشاشة معادلة الأمن التقليدية في الخليج، والتي قامت لعقود على فرضية أن وجود القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج يمثل ضمانة أمنية ضد أي تهديد إقليمي. غير أن الحرب الحالية أظهرت أن هذه القواعد قد تتحول في بعض الأحيان إلى عامل جذب للهجمات الإيرانية بدلاً من كونها مظلة حماية، خاصة أن طهران بررت ضرباتها لدول الخليج بوجود أصول عسكرية أمريكية على أراضيها. 

وأردفت ويليام، أن هذه المعادلة الجديدة دفعت عدداً من العواصم الخليجية إلى إعادة تقييم تكلفة استضافة القوات الأجنبية مقابل المكاسب الأمنية المتوقعة منها، وهو ما يفتح الباب أمام مراجعة أوسع لطبيعة العلاقات العسكرية مع واشنطن في المستقبل.  

وأشارت الباحثة في العلاقات الدولية، أنه على الصعيد الاقتصادي، تمثل الحرب الحالية واحدة من أخطر الأزمات التي تواجه الاقتصاد الخليجي منذ عقود، وذلك بسبب ارتباط اقتصاديات المنطقة المباشر بأسواق الطاقة وحركة الملاحة في مضيق هرمز،  فالمضيق يعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يمر عبره نحو ٢٠٪؜  تجارة النفط العالمية ونسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، ومع تصاعد التهديدات الإيرانية للملاحة وارتفاع مخاطر التأمين البحري بشكل كبير، بدأت حركة السفن وناقلات النفط في الانخفاض الحاد، وهو ما يهدد بتعطيل صادرات الطاقة الخليجية ورفع أسعار النفط والغاز عالمياً. 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء