رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت


تستمد الأفلام الوثائقية اسمها من كون المحتوى المعروض قد يرقى إلى مستوى الوثائق الرسمية من حيث الموثوقية والدقة، فالصورة والصوت خير دليل، وليس بعد العين أين، والحقيقة أن هذا النوع من الأفلام تطور على نحو لم يكن متوقعاً، فبداية التوثيق كانت مشاهد متناثرة لأحداث هامة أو تافهة، ثم مع زيادتها وتطور الأدوات استخدمت تلك الأفلام في الدعاية، خاصة خلال فترات الحربين الأولى والثانية وما بعدها، ومع الانتقال من التسويق السياسي إلى كافة مناحي الحياة، ومع تطور الأدوات تحول الفيلم الوثائقي إلى قطعة من التاريخ تُروى وقائع وشهادات وانطباعات بدرجات مختلفة من التحيز أو الموضوعية نوعاً ما، ولكن من المعروف دائماً أنها تخدم أهداف صانعيها بغض النظر عن مدى نبل أو وضاعة تلك الأهداف، وأن أسلوب الأفلام الوثائقية يلقى رواجاً وإقناعاً ربما أكثر من الأفلام التاريخية أو الدراما المعتادة، ويتمتع بشعبية وسهولة في الانتشار والتأثير أكثر كثيراً من الدراسات والأبحاث والمطبوعات والكتب والمراجع والوثائق الورقية.

كل هذا مفهوم ونتعايش معه ببعض القبول وبعض الرفض وبعض الاعتراض وبعض الاقتناع، ولكن ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وإمكانية استخدامها في تغيير أو تزوير أو تخليق مواد جديدة مسموعة ومرئية، أصبحنا في ورطة حقيقية، فتلك الأدوات متقدمة وتتقدم، ودقيقة وتزداد دقة مع الوقت، ومن خلالها وصل التزييف إلى مستويات غير مسبوقة، ومن غير الممكن اكتشافها في الكثير من الحالات، ولذلك أُطلق عليه مصطلح التزييف العميق Deep fake. ورأينا استخداماته الشخصية والفردية في الدعابة والتسلية والابتزاز وتشويه السمعة وتزييف الحقائق ونشر الشائعات أو ادعاء بطولات غير حقيقية.

خلال شهر رمضان قمت بمشاهدة العديد من الأفلام الوثائقية على أحد المنصات العالمية تتحدث عن الحرب العالمية الثانية والصراع بين دول المحور والحلفاء، وفي لحظةٍ ما، وبينما كنتُ أشاهد أحد تلك الأفلام التي يفترض أن تكون مرآةً صادقةً للواقع، تسلّل إلى ذهني سؤالٌ مقلق: ماذا لو لم يكن كل ما أراه حقيقياً؟ ماذا لو كانت الوجوه التي تتحدث، والوقائع التي تُعرض، واللحظات التي تُبنى عليها استنتاجاتنا، ليست إلا نتاج خوارزميات بارعة في تقليد الحقيقة إلى حدٍ يكاد يلامس الكمال؟ هنا تحديداً تبدأ خطورة التزييف العميق، كتحولٍ عميق في علاقتنا بالحقيقة نفسها.

لقد كان الفيلم الوثائقي عبر عقود طويلة أحد أكثر الأشكال الفنية ارتباطاً بالمصداقية، فهو لا يكتفي بسرد قصة، بل يدّعي تقديم “ما حدث فعلاً”، أو على الأقل أقرب نسخة ممكنة منه، لكن مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، لم يعد هذا الادعاء آمناً كما كان، إذ أصبح من الممكن إعادة تركيب الوجوه، وتوليد الأصوات، بل وخلق مشاهد كاملة لشخصيات تاريخية أو معاصرة، وهي تقول أشياء لم تقلها يوماً، وتفعل ما لم تفعله قط، وكل ذلك بجودة بصرية وسمعية تجعل الشك يبدو نوعاً من المبالغة.

المشكلة هنا لا تتوقف عند حدود الخداع التقني، بل تمتد إلى مستوى أعمق، وهو تآكل الثقة، لأن المشاهد حين يبدأ في الشك، لن يشك فقط في المشهد المزيف، بل في كل شيء، في الصورة الحقيقية كما في المصطنعة، في الشهادة الصادقة كما في الملفقة، وهنا يتحول التزييف العميق من مجرد أداة للتلاعب إلى سلاحٍ يضرب فكرة الحقيقة ذاتها، ويضعنا في منطقة رمادية لا يمكن فيها التمييز بسهولة بين ما هو واقعي وما هو مُصمَّم بعناية.

ومن زاوية أخرى، يمكن القول إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط فيمن يستخدم هذه التقنية بسوء نية، بل أيضاً في غياب المعايير الصارمة التي تُنظّم استخدامها، خاصة في سياق وثائقي يُفترض فيه الالتزام الأخلاقي قبل الفني، لأن إدخال عناصر مُولَّدة دون توضيح قد يخلق سردية مقنعة لكنها زائفة، ومع الوقت قد تُبنى عليها قناعات جماعية، بل وربما قرارات سياسية أو اجتماعية.

وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: هل نحن مستعدون للتعامل مع عالمٍ لم تعد فيه الصورة دليلاً؟ وهل يمكن أن نعيد تعريف “المصداقية” في عصرٍ أصبح فيه الكذب متقناً إلى هذه الدرجة؟ ربما لا توجد إجابة سهلة، لكن المؤكد أن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب وعياً نقدياً أعلى، وتشريعات أكثر صرامة، والأهم من ذلك إعادة التفكير في علاقتنا بما نراه ونصدقه، لأن الخطر لم يعد في التزييف ذاته، بل في قدرتنا المحدودة على اكتشافه.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء