سقوط الأيقونة الأمريكية.. كيف فقدت الولايات المتحدة احتكار الحكاية العالمي
في لحظةٍ يبدو فيها ترتيب النفوذ العالمي أكثر اضطرابًا من أي وقتٍ مضى، يسلط المركز القومي للترجمة الضوء على كتاب "الإعلام الأمريكي بعد العراق"، ترجمة وتقديم بثينة الناصري، الذي يجمع بين أفكار كل من نيسان غردلز ومايك ميدافوي.
يقدم الكتاب للقارئ مرآةً تعكس تحولات القوة في عالم لم تعد تدار فيه الأمور بالسلاح وحده، بل بالكلمة والصورة والسرد، حيث بات السؤال المركزي هو: ماذا يحدث حين تفقد القوة العظمى احتكارها للحكاية؟
الإعلام العالمي
يشير المؤلفان إلى أن التفوق الأمريكي في صناعة الإعلام، بما في ذلك هوليوود التي كانت لسنوات طويلة أعظم آلة لإنتاج الصور والرموز، لم يعد كافيًا لضمان الهيمنة الثقافية والسياسية.
العالم الذي كان يتلقى صورة واحدة بدأ في رواية قصصه الخاصة وصياغة أساطيره، حيث أخذت القوى الأخرى بالمشاركة في صناعة المشهد الإعلامي، مما حد من التفوق الأمريكي وأدى إلى تصدعات واضحة في الهيمنة الذهنية العالمية.
الرقمنة والتحول
يرصد الكتاب كيف أسهمت الرقمنة، مع بدايات انتشارها الواسع، في تمكين أطراف جديدة من إنتاج سردياتها الخاصة، ليس على هامش المشهد الإعلامي، بل في قلبه.
ومع ثورة التوزيع الرقمي، أصبح تدفق المعلومات متاحًا عبر وسائط متعددة، من التلفزيون والكمبيوتر إلى الشاشات المحمولة، في مشهد دمقرط التأثير الإعلامي لأول مرة في التاريخ الحديث، ما دفع الولايات المتحدة إلى مواجهة تحديات غير مسبوقة في التحكم في صورتها العامة عالميًا.
التدفق الثقافي
بدأت القوة الثقافية تتحول إلى شارع ذو اتجاهين، لم تعد الولايات المتحدة تصدر صورتها فقط، بل بدأت تتلقى صورًا مضادة وسرديات منافسة على الصعيد الدولي.
تكشف أحداث مثل حرب العراق، وغوانتانامو، وأبي غريب، وكذلك إعصار كاترينا، عن تصدعات عميقة في الصورة الذهنية الأمريكية، حيث أصبح كسب "الولاء" أو التأثير عبر الإعلام جزءًا أساسيًا من السياسة العالمية، تمامًا كما باتت المعركة بين القصص والسرديات أكثر أهمية من المعارك العسكرية التقليدية.

السياسة والسرد
يذهب الكتاب إلى أن السياسة في عصر المعلومات لم تعد تقاس بالقوة العسكرية أو الاقتصادية وحدها، بل بقدرة الخطاب على الإقناع، ومن يسيطر على السرد، يحصد النفوذ والتأثير. وتشير رؤية المؤلفين إلى أن الولايات المتحدة، بعد سلسلة من الأزمات والصدمات الإعلامية، دخلت هذه المعركة من موقع أكثر هشاشة، إذ فقد خطابها جزءًا كبيرًا من قدرته على التأثير عالميًا، حتى إعادة انتخاب باراك أوباما، التي بدت وكأنها محاولة لاستعادة بعض بريق أمريكا، لم تكن كافية لترميم صورةٍ تصدّعت بالفعل أمام التدفقات الإعلامية والثقافية الجديدة.
الحكاية المتشظية
يختتم الكتاب رؤيته باعتباره وثيقة تكشف بداية تشظّي الحكاية الأمريكية، حين لم يعد العالم يقتصر على الاستماع لصوت واحد، بل صار يتلقى ويصغي إلى جوقة كاملة من الأصوات المتعارضة والحقيقية.
لم تعد القوة فيما يُقال فقط، بل في من يملك القدرة على رواية القصة والتحكم في السرد، لتؤكد أن الهيمنة لم تعد مسألة تسيطر عليها آلة إعلامية واحدة، بل أصبحت معركة مستمرة بين الرؤية والصورة والكلمة في عالم متعدد الأصوات والتأثيرات.