كيف بنى الموساد شبكاته داخل إيران من تجنيد العملاء لسرقة الأرشيف النووي؟
في قلب الصراع الاستخباراتي الخفي بين إسرائيل وإيران، يبرز جهاز الموساد كأحد أبرز الأدوات التي شكّلت مسار البرنامج النووي الإيراني، كما أشار خبراء، نجح جهاز الاستخبارا الإسرائيلي في اختراق "الجهاز الأمني الإيراني بعمق" دون الحاجة إلى عملاء إسرائيليين مباشرين.
بناء فرع في طهران

بدأت جذور هذه الشبكات السرية منذ عام 2003، عندما اتخذ رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون قراراً استراتيجياً بتدمير المشروع النووي الإيراني، مما دفع الموساد إلى بناء فرع متخصص في طهران.
لم يكن الأمر مجرد تجسس تقليدي، بل عملية طويلة الأمد اعتمدت على تجنيد عملاء محليين، استغلال الاستياء الداخلي من النظام، وتطوير قدرات تكنولوجية وذكاء اصطناعي لاختراق الأجهزة الأمنية الإيرانية.
من كشف البرنامج للاختراق الأولي
مع بداية العقد الأول من الألفية الثالثة، كشفت مجموعات معارضة إيرانية عن منشآت نووية سرية مثل نطنز عام 2002-2003، مما أثار قلق إسرائيل.
تحت قيادة شارون، وضع الموساد البرنامج النووي الإيراني على رأس أولوياته، مستفيداً من السياسة القمعية للنظام الإيراني التي خلقت "مجموعات كبيرة من الأعداء الراغبين في الانتقام".
عملاء محليين
لم يعتمد الموساد على عملاء إسرائيليين مباشرين داخل إيران خوفاً من الاعتقال، بل بدأ في بناء "فيلق أجنبي" من العملاء المحليين – إيرانيين أو أقليات عرقية مثل الآذريين والأكراد والبلوش (يشكلون نحو 40% من السكان) – مدفوعين بالمال أو الكراهية للنظام.
في تلك الفترة، قاد مائير داجان (رئيس الموساد 2002-2011) تحولاً استراتيجياً: الانتقال من الاعتماد على العملاء الإسرائيليين ("الأزرق والأبيض") إلى تجنيد غير إسرائيليين. كان الهدف إحباط البرنامج النووي مسبقاً، مستلهماً من ذكريات الهولوكوست.
بحلول عام 2008 تقريباً، أصبحت الشبكة تعتمد بشكل أساسي على هؤلاء العملاء.
من الإنترنت إلى الولاء التدريجي

اعتمد الموساد على أساليب مبتكرة للتجنيد:
- الإنترنت والتواصل الاجتماعي: إنشاء مواقع ومنشورات تستهدف الإيرانيين، تقدم مساعدات طبية لأمراض خطيرة مثل السرطان، مع أرقام هاتف مشفرة أو تطبيقات للتواصل.
- الحوافز المادية والعاطفية: نقدية، علاج طبي في الخارج، تعليم أبناء في جامعات غربية، أو حماية عائلية. يبدأ التجنيد بمهام صغيرة تدريجية، ثم يبنى الثقة عبر علاقة نفسية مع "المعالج" (الضابط).
- الاختبارات والتدريب: مقابلات في دول مجاورة (تركيا، أرمينيا، أذربيجان)، اختبارات كذب، استبيانات، وتدريب لأشهر على الأسلحة والغطاء.
عملية تآكل تدريجي
كما قال ضابط موساد سابق: "إقناع شخص بالخيانة ليس أمراً سهلاً... إنه عملية تآكل تدريجي".
هذه الطرق استغلت الفقر والاستياء داخل إيران، وسمحت ببناء شبكات واسعة دون الحاجة إلى إرسال إسرائيليين.
من الاغتيالات إلى الاختراق التقني
مع تعزيز الشبكات، نفذ الموساد سلسلة عمليات:
- اغتيال علماء نوويين (2010-2012) باستخدام "جيش الدراجات النارية" (قنابل ملصقة على السيارات) أو "قافلة الشاحنات" لإطلاق صواريخ.
- هجوم ستوكسنت الإلكتروني (2010) الذي أعاق تخصيب اليورانيوم في نطنز لسنوات.
- تطوير قدرات تكنولوجية لمراقبة المنشآت والعلماء.
هذه العمليات مهدت الطريق للضربة الكبرى.
ذروة الاختراق: سرقة الأرشيف النووي (يناير 2018)
في فبراير 2016، رصد الموساد نقل صناديق حديدية محكمة إلى مستودع مدني في منطقة صناعية جنوب طهران (على بعد نحو 30 كم من وسط العاصمة).
استغرق التخطيط عامين تحت إشراف يوسي كوهين (رئيس الموساد آنذاك).
في ليلة 31 يناير 2018 (الساعة 10:30 مساءً)، اقتحم أقل من 24 عميلاً (20 حسب كوهين، و"عشرات" حسب تقارير أخرى) – جميعهم غير إسرائيليين – المستودع.
عطلوا الإنذارات، قطعوا بابين، وكسروا أكثر من 30 خزنة باستخدام مشاعل (torches).
استغرق الأمر أقل من 7 ساعات، وانتهى قبل وردية الحراس الصباحية (الساعة 7 صباحاً).
سرقوا نصف طن من الوثائق: 110 آلاف صفحة و163 قرص مدمج، تثبت كذب إيران بشأن برنامجها العسكري (بما في ذلك صور موقع بارشين).
نقلت المواد عبر عدة طرق إلى إسرائيل دون مطاردة.
أعلن بنيامين نتنياهو عنها بعد ثلاثة أشهر في مؤتمر صحفي، مما أدى إلى انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق النووي (JCPOA) عام 2018.
فازت العملية بـ"جائزة أمن إسرائيل".
وصف كوهين اللحظة: "كان الإثارة كبيرة عندما ظهرت الوثائق على الشاات"، وأكد أن جميع العملاء نجوا.
شبكة غيرت مجرى الصراع
كما حوّل الموساد الاستياء الداخلي في إيران إلى شبكة استخباراتية عميقة، مهدت لاغتيالات لاحقة (مثل محسن فخري زاده 2020) ودعمت عمليات حديثة.