في زمن تتزايد فيه مظاهر الجحود ونكران الجميل حتى باتت جزءاً من المشهد اليومي، يصبح من الضروري التوقف قليلاً أمام معنى العطاء ذاته، لا بوصفه سلوكاً عابراً، بل باعتباره قيمة أخلاقية عميقة تُعرِّف الإنسان وتكشف جوهره الحقيقي. فالمجتمعات لا تُقاس فقط بما تملكه من قوة أو ثروة، وإنما بما تحمله من قيم الوفاء والامتنان، وبقدرتها على حفظ المعروف وردّ الجميل.
ولعل التجربة الإنسانية عبر التاريخ تؤكد أن العطاء ليس مجرد فعل إحسان، بل هو فريضة أخلاقية تلتزم بها النفوس النبيلة بطبيعتها. فهناك أناس اعتادوا أن يمنحوا بلا حساب، وأن يمدّوا أيديهم بالخير دون انتظار مقابل. هؤلاء لا يتغير سلوكهم بتغير الظروف، لأن العطاء بالنسبة لهم ليس موقفاً مؤقتاً، بل هو أسلوب حياة وجزء أصيل من تكوينهم الإنساني.
في المقابل، تظهر في الحياة نماذج أخرى لا ترى في المعروف سوى حق مكتسب، ولا تنظر إلى الجهود التي تُبذل من أجلها إلا باعتبارها أمراً بديهياً لا يستحق التقدير. ومع مرور الوقت يتحول هذا السلوك إلى نمط ثابت يفسد العلاقات الإنسانية ويقوّض روح التضامن بين الناس.
وقد حفلت صفحات التاريخ بقصص تكشف خطورة هذا السلوك، ومن بينها قصة النضيرة بنت الضيزن، ابنة الملك الضيزن بن معاوية الذي حكم مملكة الحضر في المنطقة الواقعة بين دجلة والفرات.
كانت تلك المملكة حصناً قوياً صمد طويلاً أمام حصار الفرس بقيادة الملك سابور الأول. ورغم قوة التحصينات وصمود أهلها سنوات طويلة، فإن النهاية جاءت من داخل الأسوار لا من خارجها.
تروي المصادر التاريخية أن النضيرة وقعت في هوى الملك الفارسي المحاصر لبلادها، فأرسلت إليه تعرض عليه كشف نقطة الضعف التي يمكن أن ينفذ منها إلى القصر، مقابل أن يتزوجها بعد سقوط المملكة. وبالفعل، فُتحت الأبواب، وسقطت الحصون، وقُتل الملك على يد الغزاة، وتحققت للنضيرة رغبتها بالزواج من سابور.
غير أن النهاية جاءت قاسية ومعبّرة في آن واحد؛ إذ لم يطمئن الملك المنتصر إلى امرأة خانت أقرب الناس إليها، فأمر بقتلها بعد وقت قصير. فالتاريخ يعلمنا أن من اعتاد خيانة المعروف لا يمكن الوثوق به، وأن من يتنكر لأقرب الناس إليه لن يتردد في التنكر لغيرهم.
هذه القصة ليست مجرد حكاية من الماضي، بل هي درس أخلاقي متجدد يوضح أن الجحود ليس مجرد سلوك فردي، بل خلل عميق في البناء النفسي والقيمي للإنسان. فالشخص الذي لا يعترف بفضل الآخرين يفقد مع الوقت القدرة على بناء علاقات إنسانية سليمة، لأن العلاقات لا تقوم على الأخذ وحده، بل على التبادل والتقدير المتبادل.
وفي مواجهة هذه الظاهرة، يبقى العطاء هو القيمة الأكثر رسوخاً. فهناك دائماً من يختارون طريق الإحسان، لا بدافع المصلحة، بل بدافع الإيمان بأن الخير يجب أن يُقدَّم لأنفسنا وللآخرين على حد سواء. هؤلاء يدركون أن المعروف لا يضيع، حتى وإن تجاهله بعض الناس، لأن قيمته الحقيقية لا تكمن في رد الفعل المباشر، بل في أثره العميق في النفس والمجتمع.
ولذلك فإن من اعتادوا العطاء لا ينتظرون التصفيق ولا يسعون إلى الامتنان العلني. إنهم يمنحون لأن طبيعتهم تميل إلى البناء لا إلى الهدم، وإلى المشاركة لا إلى الأنانية. وقد يبدو أحياناً أن هذا السلوك يضعهم في مواجهة مع نماذج لا تقدّر ما يُبذل من أجلها، لكن الحقيقة أن قيمة العطاء لا تتحدد بموقف الآخرين منه.
إن المجتمعات التي تنتشر فيها ثقافة الجحود سرعان ما تفقد قدرتها على التماسك، لأن الناس حين يشعرون بأن المعروف يُقابل بالنكران يتراجع لديهم الدافع إلى التضامن والتعاون. أما المجتمعات التي تحافظ على تقدير المعروف فإنها تبني شبكة قوية من الثقة المتبادلة، وهي الثروة المعنوية التي لا تقل أهمية عن أي ثروة مادية.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة الاعتبار لقيم الوفاء والامتنان في حياتنا اليومية. فالعلاقات الإنسانية لا تزدهر إلا حين يشعر الإنسان أن جهده مقدَّر، وأن ما يقدمه من خير لا يضيع في زحام الأنانية.
إن العطاء سيظل دائماً علامة على النبل الإنساني، بينما يبقى الجحود دليلاً على ضيق الأفق وفقر الروح. وبين هذين الطريقين يختار كل إنسان موقعه في الحياة: إما أن يكون من أولئك الذين يزرعون الخير حيثما حلّوا، أو من الذين يطفئون نوره حين يصل إليهم.
وفي النهاية، ربما لا يمكننا أن نمنع وجود الجحود في العالم، لكنه لا ينبغي أن يدفعنا إلى التخلي عن العطاء. فالقيم الكبرى لا تُمارَس لأنها سهلة، بل لأنها صحيحة. ومن يدرك ذلك يعرف أن الخير الذي يقدمه للناس هو في حقيقته استثمار في إنسانيته قبل أن يكون إحساناً للآخرين.