تفكيك النظام الإيراني: بين حرب الجواسيس واستراتيجية "قطع الرؤوس"
مازال النظام الإيراني يعيش أزمة استهداف عدد من قياداته الفاعلين والمؤثرين، ابتداء من المرشد الأعلى علي خامنئي، وعدد من معاونيه، انتهاء بمقتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، على لاريجاني، وقائد الباسيج الإيراني غلام رضا سليماني خلال الساعات الراهنة، في إطار تنفيذ خطة "قطع الرؤوس" التي ينفذها الجانب الأمريكي والإسرائيلي لتفكيك البنية الفكرية والتنظيمية لدولة الفقيه، والتمهيد لإسقاط النظام الملالي، من داخله بصناعة حالة من الفراغ السياسي والعسكري، والتي لن تتم إلا من خلال عملائه الكامنين في عمق المؤسسات التنفيذية بطهران.
الضربات الإسرائيلية الأخيرة على الأراضي الإيرانية، والتي شملت اغتيالات لقيادات في الحرس الثوري وتدمير أنظمة دفاع جوي ومنشآت نووية، تمثل تحولًا نوعيًا وخطيرًا، فإسرائيل لم تعد تحارب "التهديدات الخارجية لإيران"، بل أصبحت تتعامل مع إيران نفسها كساحة قتال مباشرة، وتستخدم فيها أدوات جوية واستخباراتية فائقة الدقة، بتنسيق ظاهر أو مستتر مع شركاء إقليميين ودوليين.

تواجه إيران تصاعدًا في عمليات التجسّس المرتبطة بإسرائيل، تُقابل غالبًا بإعدامات سريعة في محاولة لاحتواء حالة الانكشاف الأمني المتكرر، لكن في أعقاب الضربة الجوّية الأمريكية الإسرائيلية التي طالت المنشآت العسكرية والنووية ورموز النظام، كشفت أن جانبًا كبيًرا من نجاحها يعود إلى نشاط استخباري داخلي كثيف، نفّذته خلايا مرتبطة بالموساد الإسرائيلي.
لم يكن لاريجاني سياسيًا شعبويًا ولا خطيبًا ثوريًا، بل أقرب إلى نموذج رجل الدولة داخل النظام الملالي، والذي برز في إطار تاريخه المعاصر العديد من الشخصيات السياسية في الواجهة، والتي قلة ما تنجح في البقاء داخل دائرة هرم السلطة وأجهزة صنع القرار لعقود طويلة، ومن ثم يعتبر لارجباني حالة خاصة تعرف بنية السلطة الإيرانية المعقدة، وتعرف حدود الحركة داخلها، ومن ثم بقي حاضرًا في مفاصل الحكم بينما تعاقبت أجيال سياسية مختلفة، من الإصلاحيين إلى المحافظين المتشددين.
وقد عاد اسم لاريجاني إلى الواجهة في خضم الحرب الجارية بين إيران وإسرائيل، وتحديدًا مع مقتل المرشد علي خامنئي وتولي نجله، إلى أن أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بثقة عالية أن الضربات الإسرائيلية استهدفته في طهران.
عمليًا في لحظات التحول الكبرى التي تشهدها الأنظمة السياسية المغلقة، لا يكون السقوط نتاج عامل واحد، بل نتيجة تفاعل معقد بين الضغوط الخارجية والانهيارات الداخلية، ويُعد النظام الإيراني نموذجًا كلاسيكيًا لدولة تتعرض اليوم لاختبار وجودي حقيقي، حيث تتقاطع استراتيجيات "الاختراق الاستخباراتي" مع سياسات "استهداف القيادات"، في مشهد يعيد إلى الأذهان سيناريوهات سقوط أنظمة أيديولوجية مشابهة.
فبين "سياسة العملاء والجواسيس" التي تستهدف تفكيك البنية من الداخل، و"استراتيجية قطع الرؤوس" التي تضرب قمة الهرم القيادي، تتشكل ملامح مرحلة جديدة قد تُعيد رسم خريطة السلطة في إيران، وقد ألقت التحليلات العسكرية الدولية، الضوء على الدور الاستخباراتي لجهاز "الموساد" الإسرائيلي، في قيامه بتجنيد عدد من العملاء المحليين منذ سنوات داخل الأراضي الإيرانية، وتأسيس فرعًا أو غرفة "عمليات سرية"، واستخدام تقنيات متطورة ضد أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، ما كنه من توجيه مسار الحرب العسكرية الجارية حاليا.

لم تكتفِ إسرائيل باغتيال العلماء النوويين؛ بل استهدفت اختراق عدد من المؤسسات الرسمية العسكرية والأمنية، بهدف إضعاف القدرات الإستراتيجية والدفاعية لإيران، وفي نهاية عام 2021، أعلن يوسي كوهين، الذي أمر بتنفيذ العملية عندما كان رئيسًا لـ"الموساد"، أن فريقًا لـ"الموساد" من 20 عنصرًا، ليس بينهم أي مواطن إسرائيلي، عملوا داخل الأراضي الإيرانية طيلة سنتين.
وقد صرح الرئيس الإيراني الأسبق أحمد نجاد، عام 2021، أن رئيس وحدة الاستخبارات السرية في في الحرس الثوري الإيراني، التي تم تشكيلها لمطاردة عملاء الموساد في الجمهورية الإيرانية، كان عضوًا في الموساد، وأن الوحدة كانت تضم نحو 20 عنصرًا يعملون لحساب الاستخبارات السرية الإسرائيلية، بينما كان من المفترض أن يقوموا بمراقبة أنشطة التجسس الإسرائيلية ضد إيران.
وأكد الرئيس الإيراني الأسبق، أن هذه المجموعة هي المسؤولة عن تسريب معلومات خطيرة حول البرنامج النووي والمؤسسات العسكرية والأمنية، حيث قاموا بسرقة وثائق البرنامج النووي الإيراني عام 2018، ونقلها إلى إسرائيل، كما أفاد نجاد أن عملاء إسرائيل في جهاز الاستخبارات الإيراني كانوا مسؤولين عن قتل عدد من العلماء والمسؤولين عن البرنامج النووي الإيراني، وأنه تم اكتشافهم عام 2021، ولكنهم تمكنوا من الفرار ويعيشون حاليا في إسرائيل.
أولًا: الدولة الأمنية كمدخل للاختراق
اعتمد النظام الإيراني منذ تأسيسه على بنية أمنية معقدة، يتداخل فيها الحرس الثوري مع الأجهزة الاستخباراتية، ما خلق ما يمكن تسميته بـ"الدولة داخل الدولة". لكن هذه البنية، التي صُممت لحماية النظام، حولت مع الوقت إلى نقطة ضعف رئيسية.
فالنظم المغلقة بطبيعتها تُنتج بيئات خصبة للاختراق، بسبب غياب الشفافية، وتضخم الأجهزة الأمنية، والصراعات الداخلية بين مراكز القوى، ومن ثم برزت سياسة "تجنيد العملاء" كأداة استراتيجية لإضعاف النظام من الداخل، حيث نجحت أجهزة استخبارات إقليمية ودولية في اختراق مؤسسات حساسة، وتسريب معلومات عسكرية وأمنية، وتنفيذ عمليات نوعية داخل العمق الإيراني، ولعل تكرار عمليات الاغتيال والتفجيرات داخل إيران يؤكد أن الاختراق لم يعد مجرد احتمال، بل واقع بنيوي.

ثانيًا: استراتيجية "قطع الرؤوس"
تقوم هذه الاستراتيجية على استهداف القيادات العليا، سواء السياسية أو العسكرية أو العلمية، بهدف إحداث شلل في منظومة اتخاذ القرار، وقد تجلت هذه السياسة في عدة مستويات مثل استهداف "القيادات العسكرية"، لا سيما القيادات الاي تتولي إدارة الملفات الخارجية، وتدير شبكات النفوذ الإقليمي، وذلك بهدف إرباك العمليات العسكرية، وتفكيك شبكات الاتصال، وخلق فراغ قيادي يصعب تعويضه، فضلا عن استهداف "العلماء والخبراء" بهدف تعطيل تنفيذ البرنامج النووي الإيراني، كان هدفًا رئيسيًا لهذه الاستراتيجية من خلال تعطيل التطوير التكنولوجي، وخلق حالة من الرعب داخل النخبة العلمية، ودفع الكفاءات إلى الانكفاء أو الهجرة، وبجانب توجيه "الضربات النفسية" إذ لا تقتصر استراتيجية "قطع الرؤوس" على البعد المادي، بل تمتد إلى التأثير النفسي، من خلال إظهار عجز النظام عن حماية قياداته، وفقدان الثقة داخل الأجهزة الأمنية، وتصاعد الشكوك بين مراكز القوى.
ثالثًا: التفاعل بين العملاء وقطع الرؤوس
ما يميز الحالة الإيرانية هو التداخل بين الاستراتيجيتين، حيث لا يمكن تنفيذ عمليات دقيقة دون وجود معلومات داخلية، ودعم لوجستي، وشبكات اختراق، ومن ثم يتحول "العميل" من مجرد ناقل معلومات إلى عنصر فاعل في تنفيذ العمليات، ما يجعل النظام يواجه عدوًا غير مرئي داخل بنيته، ما يدفع إلى تسريع وتيرة الاستنزاف، وتضخيم أثر كل عملية، وتعميق حالة الشك داخل النظام.
رابعًا: الانعكاسات الداخلية
تؤدي هذه السياسات إلى مجموعة من التداعيات الخطيرة على الداخل الإيراني مثل "تفكك الثقة داخل النظام"، بحيث تصبح كل مؤسسة محل شك، وكل مسؤول عرضة للاتهام، ما يؤدي إلى تصاعد الصراعات الداخلية، والتصفيات المتبادلة، والشلل الإداري، فضلا عن "تراجع الكفاءة الأمنية"، إذ في ظل تصاعد الهواجس الأمنية، تتحول الأجهزة إلى كيانات دفاعية مرتبكة بدلًا من كونها أدوات سيطرة فعالة، بالإضافة إلى "تصاعد الاحتقان الشعبي"، في ظل فشل النظام في حماية نفسه، يفقد قدرته على فرض الهيبة، ويتسبب في موجات العصيان المدني والاحتجاجات وتحالف قوى المعارضة ضد النظام.
خامسًا: الدفاع الفسيفسائي
على الجانب الأخر يري عدد من الباحثين، أن الضربة الإسرائيلية استهدفت القيادة العليا للنظام الإيراني ضمن ما تُوصف عسكريا بإستراتيجية "ضرب الرأس"، في محاولة لشل منظومة صنع القرار، لكنَّ التطورات التي تلت الهجوم، أظهرت أن النظام الإيراني مازال يحتفظ بقدرته على إدارة الدولة والرد العسكري، وذلك نتيجة العقيدة الأمنية والعسكرية التي طورتها طهران على مدى عقود طويلة وفق ما تُعرف بـ "الدفاع الفسيفسائي"، والتي تقوم على توزيع مراكز القوة والقرار على وحدات متعددة بدلا من تركيزها في مركز واحد يمكن تعطيله بضربة واحدة.

وتبرز في هذا السياق بنية الحرس الثوري الإيراني الذي يُعَد الذراع العسكرية الأكثر نفوذا في البلاد، إذ يعمل عبر 32 قيادة إقليمية لكل منها مخزون أسلحة مستقل وقدرة على اتخاذ القرار العملياتي، بما في ذلك إطلاق الصواريخ والطائرات المسيَّرة وفق أوامر عامة سابقة في حال تعرُّض البلاد لهجوم.
ولا تقتصر هذه البنية على المؤسسات العسكرية الرسمية، بل تمتد أيضا إلى ما تُوصف بـ"الدولة العميقة" التي تضم أجهزة الاستخبارات والحرس الثوري وقوات التعبئة الشعبية المعروفة باسم الباسيج، وهي شبكات تشكل منظومة القرار الفعلية التي تضمن استمرار النظام في حال تعرُّض القيادة السياسية لضربات قاسية.
ختامًا:
ما يواجهه النظام الإيراني اليوم لا يقتصر على ضغوط خارجية تقليدية، بل يمثل نموذجًا متقدمًا من "الحروب المركبة"، حيث تتداخل الأدوات الاستخباراتية مع العمليات النوعية لاستهداف بنية النظام من الداخل والخارج في آن واحد، وبينما قد يبدو النظام متماسكًا ظاهريًا، فإن تآكل الثقة داخله، وتكرار الاختراقات، واستمرار سياسة "قطع الرؤوس"، كلها مؤشرات على أن المعركة الحقيقية لم تعد على الحدود، بل داخل قلب وعمق النظام الإيراني.