رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

قفز سعر كيلو الفراخ البيضاء من 65 جنيهاً قبل شهر رمضان إلى 120 جنيهاً في منتصف الشهر الكريم، كما ارتفع كيلو الطماطم من 12 جنيهاً إلى 38 جنيهاً، ووصل الفلفل الأخضر إلى 40 جنيهاً، بينما تراوح سعر الخيار بين 25 و30 جنيهاً. هذه الزيادات التي طالت معظم السلع الأساسية، جاءت عقب رفع أسعار المواد البترولية، لتنضاف إلى قائمة طويلة من الأعباء المعيشية التي تثقل كاهل المواطن المصري.

لكن المدهش أن هذا الارتفاع الجنوني في الأسعار قوبل بزيادة غير مسبوقة في مبادرات العطاء والتضامن المجتمعي، فموائد الرحمن ومطابخ الخير، وتوزيع كراتين رمضان، واحتفالات الإفطار الجماعي، بل وحتى جروبات الواتس اب والفيس بوك الخاصة والتجارية منها، تحول معظمها إلى تجمعات للعطاء، حتى عزومات العائلات والشركات والهيئات، شهدت إقبالاً وتوسعاً كبيراً وملفتاً هذا العام.

فلم يعد الإفطار الجماعي الذي اشتهر به حي المطرية حكراً على أهله، بل امتد ليضيء محافظات أخرى، ففي المنصورة، امتدت موائد الإفطار الجماعي لشعب المنصورة بطول شوارع البحر، وفي الشرقية والغربية تكرر المشهد ذاته، واللافتة الأبرز – بالنسبة لي – كانت مائدة الرحمن التي أقامتها النائبة نيفين إسكندر في مدينتها أبوتيج، والتي وصفت بأنها "الأولى من نوعها والأكبر حجماً"، حيث امتدت على ثلاثة شوارع رئيسية في المدينة، وجمعت أبناء النسيج الوطني الواحد من مسلمين وأقباط.

ما يميز تجربة النائبة نيفين إسكندر أنها ليست من أسرة ثرية ولا سيدة أعمال، بل استطاعت بحكم علاقاتها وروحها المجتمعية أن تحشد شباب المدينة وعائلاتهم ونوابها للمشاركة في هذا العمل الخيري، ويصف الصديق الأستاذ محمد خلف حسان المشهد بأنه كان استثنائياً: "أهالي المدينة تعاملوا وكأنهم أصحاب البيت، واصطفوا لاستقبال ضيوف المائدة وكأنهم في واجب فرح يستقبلون المعازيم".

هذا الخير المتدفق في ربوع مصر رغم الأزمات الاقتصادية، ليس دليلاً على عدم تأثر المجتمع بموجة الغلاء، ولا يعني انخفاض نسب الفقر أو زيادة السيولة المالية في يد الشعب، وإنما هو دليل على عظمة وعراقة هذا الشعب الأصيل.

فعندما تشتد الأزمات، يولد التضامن الاجتماعي من رحم المعاناة، وتتحول حالة الفقر إلى قوة دافعة للترابط. يقترب الجميع من بعضهم، فتكثر أفعال الخير وتتراجع أعمال الشر، ولعل اللافت للنظر أنه بعد زيادة أسعار المحروقات، لم نشهد المشاجرات المعتادة بين المواطنين وسائقي وسائل المواصلات أو التجار، بل أدرك الجميع أن تحريك الأسعار له مبرراته، وأن لا أحد يستغل الآخر، فالكل مضطر، والكل يبحث عن البركة التي تحل عندما تكثر الخيرات وتزداد التصدقات.

ما نتمناه بل ونتوقعه، هو أن تستمر روح التضامن والعطاء بعد انتهاء الشهر الفضيل، أن نحافظ على مكتسبات شهر الخير من حب العطاء والإقبال على مساعدة الآخرين، والتعايش مع الأزمات حتى تنتهي أسبابها وتعود الحياة إلى طبيعتها.

نتمنى أن يظل شباب المطرية المعطاء بنفس روحهم السمحة وكرمهم المعهود طوال العام، وأن يستمر شباب المنصورة على عهدهم مع أهل بلدهم وفقرائهم وضعفائهم، وأن تبقى الجروبات التي تحولت إلى منابر لجمع الخير ومصادر للعطاء مستمرة في أداء دورها الخدمي والاجتماعي، وألا تنتهي حالة العطاء بشهر واحد من بين 12 شهراً، يعيش خلالها نفس الفقراء ونفس أبناء المجتمع، ونفس نسب الفقر التي لا تزيد في شهر واحد من السنة.

فما يحدث في رمضان ليس مجرد موسم عابر، بل هو اختبار حقيقي لقدرة هذا الشعب على تحويل المحن إلى منح، والأزمات إلى فرص لإثبات أن مصر لن تنكسر، وأن الخير فيها سيظل متدفقاً مهما اشتدت الأزمات وارتفعت الأسعار.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء