«المؤسسون».. الجامعات التكنولوجية تتخلص من «الكفاءات» بدم بارد
لم يأتوا من فراغ، ولم يتسللوا عبر الأبواب الخلفية؛ بل كانوا "الأصل في تأسيس الحلم التكنولوجي المصري، بانشاء الجامعات التكنولوجية ، 9 سنوات من الاحتراق الوظيفي، والتدريبات الشاقة على أيدي الخبراء الألمان، والصبر المرّ على رواتب متأخرة وعلاوات مجمدة، فقط من أجل أن يرتفع صرح "الجامعة التكنولوجية" عالياً. واليوم، وبعد أن اكتمل البناء واشتد عود المشروع، جاءت المكافأة "بطعنة في الظهر"؛ قرارٌ عبثي يحول "الخبراء والمؤسسين" إلى مجرد (مستعان بهم) بعقود مهينة تُجدد كل 11 شهراً!
"عمالة موسمية
الكثيرون يتسائلون ، أي عقل إداري هذا الذي يقرر في عام 2026 أن يعامل حملة الماجستير والدكتوراه، ومؤسسي الكيان الأوائل، كـ"عمالة موسمية"يتم طردهم من مكاتبهم 30 يوماً كل عام لكسر مدة خدمتهم؟ وأي منطق ذاك الذي يتحجج بأن "أوراق المسابقة الرسمية" قد ضاعت في دهاليز الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة؟
ليس مجرد أزمة "باب صرف"
ما يحدث الآن في ممرات الجامعات التكنولوجية ليس مجرد أزمة "باب صرف"، بل هو "اغتيال عمدي" للاستقرار الوظيفي، وإهانة بالغة لكرامة كوادر وطنية صُرف عليها الملايين لتصبح واجهة مصر التعليمية، فإذا بالبيروقراطية تقرر إعادتهم إلى "مربع الصفر" ، في مشهد يفتقر لأدنى معايير العدالة
من الفكرة إلى الصرح ثم إلى الشارع
في عام 2017، انطلقت فكرة طموحة إنشاء مجمعات تكنولوجية تعليمية تؤهل شباب مصر لسوق العمل العالمي. صندوق تطوير التعليم، التابع لرئاسة مجلس الوزراء، أعلن عن مسابقة رسمية لاختيار نخبة من المهندسين والإداريين والفنيين والمدرسين ليكونوا نواة هذا المشروع.
اجتاز الآلاف الاختبارات، وبدأوا رحلة بناء حلم. كانوا يعملون في موقع كان مجرد "مدرسة داخل مجمع تكنولوجي"، لكن بإصرارهم وتكاتفهم، تحول هذا المبنى إلى جامعة تكنولوجية على مستوى دولي، تضم اليوم 10 فروع في جميع أنحاء الجمهورية.
مرت تسع سنوات بداية من 2018 حتى العام الحالي 2026. من العطاء، والتضحيات، والتأهيل، والتدريب على أيدي خبراء ألمان. والنتيجة؟، أثمرت عن كوادر مؤهلة، حاصلة على درجات الماجستير والدكتوراه، تقود الآن واحدة من أهم تجارب التعليم في مصر.
لكن المفاجأة التي هزت الجميع جاءت الشهر الماضي ، حيث صدر قرار بتحويل مسار هؤلاء المؤسسين إلى "الباب الرابع" تحت مسمى (استعانة) ولمدة 11 شهراً فقط في السنة! أي أن من بنوا الصرح بأيديهم، أصبحوا الآن "عمالة مؤقتة" يمكن الاستغناء عنهم لمدة شهر كل عام.
سنوات من الصبر تنتهي بقرار صادم
"إحنا اللي بنينا الجامعة دي من أول يوم!".. بهذه الكلمات الموجوعة، استقبل العاملون القرار الذي وصفوه بـ"طعنة في الظهر" ، وحصل "إيجبتك" على نسخة من الشكوى الرسمية التي رفعها العاملون إلى الجهات المختصة، والتي تروي قصة تسع سنوات من الصبر على تحديات جسام، كان آخرها وأقساها هذا القرار.
المسابقة الرسمية (2017)
يؤكد العاملون أنهم لم يأتوا من "الشارع" أو عبر وسطاء ، بل هم دفعة 2017، تم تعيينهم عبر مسابقة رسمية أعلن عنها صندوق تطوير التعليم التابع لرئاسة مجلس الوزراء، كانوا النخبة التي اختيرت بعناية لتبني مشروعاً وطنياً واعداً.
سنوات من المعاناة بصمت
يكشف العاملون في شكواهم عن بيئة عمل غير مستقرة عانوا منها لسنوات، لكنهم صبروا طمعاً في المستقبل .
تأخر الرواتب
يقول أحد العاملين لـ"إيجبتك": "كنا نتقاضى رواتبنا متأخرة شهراً أو شهرين في كثير من الأوقات، ومع ذلك استمر إخلاصنا لأننا كنا نؤمن أننا نبني وطناً."·
شروط جزائية قاسية
تم فرض شروط جزائية على العاملين بدعوى "إهدار المال العام" نظير التدريبات المتطورة التي تلقوها على أيدي خبراء ألمان. المفارقة أن هذه التدريبات هي التي صاغت منهم كوادر مؤهلة، ولكنها تحولت إلى قيد يهدد مستقبلهم بدلاً من أن تكون حافزاً.
وقف العلاوات
تم وقف الزيادات السنوية المنصوص عليها في العقود دون أي مسوغ قانوني، مما جعل الرواتب جامدة لا تواكب التضخم. في المقابل، حصل أغلب العاملين على درجات الماجستير والبعض في طريقه للدكتوراة على نفقتهم الخاصة، تطويراً لأنفسهم وللجامعة.
ويضيف أحد المهندسين المؤسسين: "لقد صبرنا على كل هذا، يقيناً منا بأن الدولة ستحتفي بنا يوماً ما كمن بنوا صرح التعليم التكنولوجي الحديث. كنا نتوقع التكريم، فإذا بنا أمام قرار التحول إلى عمالة موسمية."
القرار الصادم: "الباب الرابع" و"الاستعانة"
فجأة، ودون مقدمات، فوجئ العاملون بقرار يقضي بتعديل نظام تعاقدهم إلى "نظام الاستعانة" (بند 3/4 مكافآت لغير العاملين - الباب الرابع) ولمدة 11 شهراً فقط.
الآثار الكارثية لهذا القرار تتضمن ،تجريد من حق التثبيت: تحول العاملون إلى "مستعان بهم" وليسوا موظفين أصليين ، وإنهاء الخدمة لمدة شهر سنوياً: العقد لمدة 11 شهراً يعني أن العامل سيخرج من المنظومة لمدة 30 يوماً كل عام، مما يقطع مدة خدمته ويحرمه من الاستقرار.
وكذلك إهدار الخبرات من كوادر دولية مؤهلة يتم التعامل معها كعمالة مؤقتة يمكن الاستغناء عنها في أي وقت.
ويتساءل أحد العاملين بمرارة: "كيف يُكافأ الإخلاص بالاستغناء؟ وكيف يتم تهميش كوادر صُرف عليها من ميزانية الدولة لتصبح واجهة التعليم التكنولوجي، ثم يُعاد تصنيفها كعمالة مؤقتة؟"
المسؤول يرد: "الوضع مؤقت.. والمشكلة في باب الصرف فقط"
في محاولة لاحتواء الغضب، خرج الأستاذ الدكتور أحمد الجيوشي، رئيس المجلس الأعلى للتعليم التكنولوجي، بتصريح مطول شرح فيه الموقف من وجهة نظر رسمية. وحصلت "إيجبتك" على نص كامل لهذا الرد.
أبرز ما جاء في رد الدكتور الجيوشي هو الرأي القانوني ، حيث أكد أن وزارة المالية والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة يصران على أن تقنين الأوضاع يجب أن يتم فقط عن طريق المسابقات.
بخلاف عرض العقبة الإدارية ، وكشف أن الجهاز المركزي "مش عارف مين من الناس دي كان جاي بمسابقة و مين كان جاي بدون مسابقة". هذا اعتراف رسمي بوجود فوضى في حصر أوضاع العاملين.
وشدد على أن التحول للباب الرابع هو "وضع مؤقت فقط" لحين إجراء المسابقات الجديدة. وبعدها سيتم نقل الجميع إلى "باب أول أجور".
وقال الجيوشى إن المشكلة "مالية فقط وسوف تحل إن شاء الله قبل مرور الفترة الأولى وهي ١١ شهر".
بين الطمأنة والتناقض
في حين حاول الرد تهدئة العاملين، إلا أنه أثار حفيظة الدفعة المؤسسة بشكل أكبر. هم يرون أن الرد يتجاهل جوهر مشكلتهم.
أحد العاملين من دفعة 2017 علق لـ"إيجبتك": "نحن لا نحتاج مسابقة جديدة! نحن خضنا مسابقة رسمية في 2017. مشكلتنا ليست مجرد "باب صرف"، بل هي إهدار لحقوق مكتسبة. كيف نتحول من موظفين بمسابقة حكومية إلى مستعان بهم، ثم يُطلب منا دخول مسابقة جديدة لنثبت مجدداً أننا نستحق العمل في المكان الذي بنيناه بأنفسنا؟!"
اتحاد شباب التكنولوجيين يدق ناقوس الخطر: "استقرار العاملين ضرورة وطنية"
مع تصاعد الأزمة، وتلقي العديد من الشكاوى الموثقة، تدخل اتحاد شباب التكنولوجيين ببيان رسمي قوي، حصل "إيجبتك" على نسخة منه، ليحسم موقفه ويدعم مطالب العاملين.
وأعرب الاتحاد عن "قلقه البالغ" إزاء التطورات الأخيرة، وأكد على عدة ثوابت:
· دعم مشروع الجامعات التكنولوجية: جدد الاتحاد دعمه الكامل لهذا المشروع باعتباره ركيزة أساسية لتطوير التعليم وربطه بسوق العمل.
· استقرار العاملين ضرورة لنجاح التجربة: شدد البيان على أن "استقرار أوضاع العاملين، مادياً ومعنوياً، هو عامل حاسم لنجاح هذه التجربة التعليمية الجديدة" ، محذراً من أن "المساس باستقرار الكوادر البشرية يمثل تهديداً مباشراً لمستقبل المشروع".
· الاعتراف بجهود الكوادر التأسيسية: ثمن الاتحاد "الجهود الاستثنائية التي بذلتها الكوادر التأسيسية، الذين تحملوا تحديات جمة في مراحل التأسيس، واستمروا في أداء مهامهم بكل تفانٍ واقتدار رغم الصعوبات" .
المطالب العاجلة التي رفعها الاتحاد للجهات المعنية:
1. تقنين الأوضاع فوراً: استكمال كافة الإجراءات القانونية والإدارية لتقنين أوضاع العاملين، بما يضمن لهم حقوقهم الوظيفية والمالية الكاملة.
2. حماية حقوق الكوادر التأسيسية: وضع آليات واضحة وعادلة لحماية حقوق الكوادر التي ساهمت في بناء وتشغيل الجامعات منذ البداية.
3. التنسيق المشترك: تعزيز التنسيق بين وزارة التعليم العالي والمالية والجهاز المركزي لضمان توافق الإجراءات مع القوانين وحماية حقوق العاملين.
4. الشفافية والإفصاح: الإعلان بشفافية عن الخطوات القادمة لطمأنة العاملين وإزالة حالة عدم اليقين.
واختتم الاتحاد بيانه بالتأكيد على "استعداده للعمل والتعاون مع كافة الجهات المعنية لإيجاد حلول عادلة ومستدامة للأزمة الحالية، بما يضمن نجاح المشروع وحماية حقوق كافة من ساهموا في بنائه" .
سيناريوهات متوقعة ماذا يحدث إذا استمر القرار؟
خبراء في الشأن الإداري والقانوني، تحدثوا لـ"إيجبتك" عن السيناريوهات الكارثية المحتملة إذا استمر تنفيذ القرار دون تعديل:
السيناريو الاول انهيار الهيكل الإداري والأكاديمي، مع شعور العاملين بعدم الاستقرار، سيبحث الكفاءات منهم عن فرص بديلة توفر لهم الأمان الوظيفي، مما يؤدي إلى نزيف خسائر في الكوادر المدربة تدريباً عالياً.
اما السيناريو الثانى فيتعلق بتدهور العملية التعليمية، من خلال الاعتماد على "مستعان بهم" لمدة 11 شهراً يعني وجود فجوة شهر كامل في أعمال الكنترولات والامتحانات والإعداد للعام الدراسي الجديد، مما ينعكس سلباً على الطلاب.
ويرى اخرون ان هذا القرار ضربة لسمعة الجامعات التكنولوجية، أذا كيف يمكن لجامعة تكنولوجية دولية أن تقدم نفسها كصرح تعليمي متطور، بينما تعامل مؤسسيها كعمالة مؤقتة؟ هذا التناقض سيلقي بظلاله على سمعة هذه المؤسسات محلياً ودولياً.



