رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

في حفل إفطار الأسرة المصرية قال السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، ومن نص الخطاب أنقل: "نبذل قصارى الجهد لإخماد نيران الحرب في منطقة الخليج العربي، تلك الحرب التي تحمل تداعيات اقتصادية وإنسانية وأمنية عاصفة، لا يملك أحد القدرات على درئها، وستطال الجميع بلا استثناء. وفي الوقت ذاته، نعمل على خفض التصعيد في باقي الدول العربية التي تشهد صراعات ونزاعات مسلحة، سواء في الشرق أو الغرب أو في الجنوب من مصر".

في السياسة كما في الجغرافيا، الحقائق ثابتة تفرض نفسها، ومصر واحدة من هذه الحقائق في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا. في وقت الأزمات والتصعيد، القاهرة هي صمام الأمان العربي والإقليمي؛ منطقة الشرق الأوسط تمر بمرحلة خطيرة، وتعيش اليوم واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا منذ عقود، لا شك، ومخاطر التصعيد وتعدد الساحات والجبهات الساخنة تتصاعد، والتقديرات الخاطئة ـــــ كما حذر منها الرئيس ـــــ تتزايد. الرئيس قدم تشخيصًا لحقيقة استراتيجية مفادها أن الشرق الأوسط يقف على حافة انفجار واسع، وأي خطأ في الحسابات قد يحول المنطقة إلى مسرح فوضى مفتوحة. هنا يبرز الدور المصري كعمود الخيمة العربية والإقليمية، ركيزة رئيسة للاستقرار، ومركز ثقل الأمن القومي العربي.

التطورات الأخيرة الواقعة في منطقة الشرق الأوسط، ومنذ طوفان الأقصى في أكتوبر 2023، وما تلاها وتبعها من تحولات جيوسياسية، كشفت عن حجم التعقيد الذي أصبحت عليه تفاعلات وتوازنات القوة في الشرق الأوسط ـ لكنها في الوقت نفسه ــــ كشفت عن حقيقة رئيسة مفادها أن غياب التوازن الاستراتيجي يفتح الباب أمام الفوضى وعدم الاستقرار. وإن وجود قوى إقليمية قادرة على ضبط إيقاع التفاعلات الإقليمية هو ضرورة لا غنى عنها للحفاظ على استقرار المنطقة. في هذا السياق يكتسب الدور المصري أهمية خاصة، ليس فقط بحكم قدرات الدولة المصرية، أو الثقل السياسي لقيادتها الوطنية، لكن أيضًا لطبيعة الرؤية الحاكمة للتحركات المصرية، وهي الرؤية القائمة على تصفير الأزمات، والحيلولة دون اشتعال الصراعات، والعمل على الحفاظ على استقرار الدول العربية، وصون الأمن القومي العربي، وإعلاء وتقديم الحلول الدبلوماسية لتسوية النزاعات على حساب الحلول العسكرية.

لكن لماذا مصر؟ لأن مصر لا تمارس ألعاب المغامرة والمقامرة، ومصر لا تعرف سياسات حافة الهاوية التي يدفع بها عديد من الأطراف الإقليمية. مصر تدرك التبعات والعواقب السلبية، وأن العالم وليس الشرق الأوسط فقط، لم يعد يحتمل أية صدمات جديدة أو تجارب وأفعالًا سياسية متهورة. ومصر هي الطرف الوحيد القادر على الجلوس مع كافة الأطراف المتصارعة في آن واحد. رفض القاهرة الانخراط في سياسة المحاور جعلها "وسيطًا نزيهًا" ومقبولًا دوليًا وإقليميًا. هذا النهج الأخلاقي منح مصر ثقة إقليمية ودولية واسعة، إذ بات العالم ينظر إليها بوصفها طرفًا رشيدًا، أمينًا، وذا وجه واحد في التعامل مع الأزمات، تنحاز للحوار، وتمد يدها للتعاون والبناء والتنمية. هذا هو جوهر "الدور المصري" في هذا التوقيت الحرج الذي تمر به المنطقة، وهذه ميزة استراتيجية نادرة في الشرق الأوسط اليوم تتفرد بها مصر.

لذلك؛ الدور والحضور المصري دعمًا للأمن القومي العربي والاستقرار الإقليمي ليس خيارًا، إنه ضرورة تاريخية؛ الدور المصري هو "ضرورة وجودية" للمنطقة؛ فالتاريخ والجغرافيا وضعا مصر في موقع لا يسمح لها بالانكفاء، وقدراتها تفرض عليها أن تكون الملاذ ومنصة للتوازن والاستقرار. فكل أزمة إقليمية كبرى، وكل تصعيد محتمل، وكل وقت حرج، كان للحضور والتدخل المصري الأثر الفاعل في تبريد تلك الأزمات وتسويتها، وهو حضور ودور محكوم بمحددات التاريخ والمكانة والجغرافيا السياسية، ولا يمكن لأي قوة أن تحل محل مصر في ذلك. وكما لخص المفكر المصري الكبير الدكتور جمال حمدان حدود الدور المصري على أنها مركز الثقل الطبيعي والوظيفي في المنطقة. حمدان قال في موسوعته "شخصية مصر" إن قدر مصر هو القيادة بحكم "عبقرية المكان"، لكن هذا القدر يتطلب يقظة دائمة وقوة تحمي هذه السيادة من الأطماع الخارجية، وهو ما حققته مصر الجمهورية الجديدة في عصر الرئيس عبد الفتاح السيسي.

حفظ الله مصر الوطن شعبًا وجيشًا وقيادة، ووقانا شر التداعيات وتبعات هذه الأزمة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء