أبرزت دراما "رأس الأفعى" حجم التنسيق القوي بين الأجهزة الأمنية المصرية ما بين الأمن الوطني والمخابرات العامة والأمن الحربي، في عملية مكافحة التطرف والإرهاب وتتبع العناصر المتطرفة في الخارج، والتي لم تكن وليدة اللحظة أو الحدث لكنها حالة متأصلة عبر تاريخ الدولة المصرية في التعامل مع المخاطر التي تحيط بمؤسسات الدولة والمجتمع مع الجماعات التي انحرفت فكريًا وتبنت العنف والتكفير مسلكًا ومنهجًا في تعاملها مع قضايا أسلمة المجتمع.
العلاقة التاريخية الممتدة بين ضباط جهاز "الأمن الوطني" (أمن الدولة سابقًا) تحديدًا، وأفراد الجماعات الأصولية، ترتكز في الأساس على الصراع النفسي، قبل ارتباطها بالبعد الفكري والتنظيمي، وفرضية هيمنة التنازع الوجودي في العمق المجتمعي.
غالبية العمليات الإرهابية التي نالت من ضباط جهاز "الأمن الوطني" بالقاهرة، يغلفها في المقام الأول الانتقام الشخصي، في إطار تغليبي على مقاصد الأهداف التنظيمية، المرجوة من وراء هذه العمليات التي شنتها الجماعات الأصولية المتطرفة في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وكذلك في مرحلة ما بعد 30 يونيو 2013.
في مخيلة ومرجعية التيارات الأصولية، يقف جهاز "الأمن الوطني"، في خانة العدو اللدود، في حين تعتبر الدوائر المجتمعية نشاط وفاعلية الكيان الأمني بمثابة صمام أمان أمام تغلغل الجماعات الإرهابية، وتحركاتها بين أوساط القطاعات الشبابية، وتأثيرها على المدى البعيد في الأنماط الفكرية والثقافية.
لعب جهاز "الأمن الوطني"، دورًا فاعلًا في تعرية الجماعات الأصولية المتشددة في الداخل المصري، وإسقاط النقاب عن أسرارها وتفاصيلها الداخلية على المستوى الفكري والدعوي، والتنظيمي والسياسي، في ظل دوره الوظيفي المنوط به، في مراقبة وتتبع نشاط التيارات الإسلاميوية بتنوعاتها المتعددة والمتأرجحة في ميولها الفكرية على المستوى الأيديولوجي والاستراتيجي.
الروايات سابقة التصنيع في المحافل السرية لتيارات الإسلام السياسي، أحاطت جهاز "الأمن الوطني"، بفيض من "الشائعات"، التي اعتبرت أسلوبه في التعامل مع الحركات الأصولية انحرافًا عن النهج القويم، ووضعته في دائرة الانتهاكات الانسانية، بغية تشويه صورته النمطية، وإدانته أمام الرأي العام، وعرقلة تعاطيه في التعامل مع ملفاتها ومخططها داخليًا وخارجيًا.
ليس من المبالغة، القول بأن جهاز "الأمن الوطني" تاريخيًا كان في قلب "المواجهة المباشرة" أمام الجماعات الإرهابية، التي وصمت دوره، ونعتته بعشرات الأوصاف تحقيرًا من سياسته في التعامل مع الخارجين على القانون، ومهمته في ووقف تمددها، والحد من أثرها وتمركزها ومحاصرة أطرافها.
الإشكالية الكبرى لطريقة عمل المؤسسات الأمنية وفي قلبها جهاز "الأمن الوطني"، تتمثل في أنها تواجه وتفكك عشرات المؤامرات والمخططات التي تهدد الأمن القومي المصري في صمت تام، دون الإعلان عنها أو التطرق إليها، وفق اعتبارات أمنية متعلقة بدورها ونشاطها، ومن ثم عملت الجماعات الأصولية على حياكة خيوط السيناريوهات المغلفة بالتلفيقات والأباطيل حول طبيعة ممارستها العملية، في إطار تدمير صورتها الوطنية.
تحكم المؤسسات السيادية والأمنية، عقيدة وطنية، مرتبطة بالحفاظ على التراب المصري، دون الارتباط بأية مشاريع سياسية، ووضع الأخطاء "الفردية" في إطار التعميم يمثل ظلمًا وإهدارًا لمسيرتها في حقبها الزمنية المتعددة، وتاريخها المعاصر.
كان -ومازال- ضباط "الأمن الوطني"، في مرمى سهام الجماعات الأصولية المتطرفة، ترهيبًا وتوعدًا، واستحلالًا لدمائهم، والتي تمت شرعنتها في محاضن الإخوان والتيارات السلفية والجماعة الإسلامية وتنظيمات الجهاد، التي أوقدت نيران المعركة، وأشعلت موجات العنف المتلاحقة منذ ثمانينات القرن الماضي، وما تلاها.
تجلت حالة العداء من قبل ابناء الجماعات الأصولية وعلى رأسهم جماعة الإخوان، تجاه جهاز "الأمن الوطني"، في وضعه على قائمة المؤسسات المطلوب تفكيكها والسيطرة عليها، وفق وثائق أمريكية تحدثنا عنها سابقًا.
عملية اقتحام مقرات جهاز "أمن الدولة" في مارس 2011، في وقت واحد، كانت منظمة جدًا، ويغلفها حالة ثأرية انتقامية تهدف إلى كسر هيبة الجهاز الأمني وقياداته أمام الرأي العام، وتدمير إحدى أدوات القوة الفاعلة في نظام الرئيس مبارك، وكذلك محو الملفات والأسرار المتعلقة بنشاط جماعة الإخوان وتنظيمها الدولي، وضمان عدم توظيفها أو التلاعب بها حال سيطرتهم على الدولة.
لم يكن يدرك اللواء محمد حنفي، رئيس وحدة متابعة النشاط الديني المتطرف، أنه سيتلقى مكالمة على التليفون الأرضي داخل مكتبه بمقر جهاز "أمن الدولة"، من نائب مرشد الإخوان، خيرت الشاطر (المنوط بعملية التفكيك)، يخبره فيها بقرار إحالته للتقاعد ضمن 35 قيادة أمنية، من بينهم اللواء أحمد شعبان، نائب رئيس جهاز أمن الدولة، والمسؤول الأول عن متابعة نشاط العناصر التكفيرية في الخارج.
في يوم 29 يوليو 2013، أصدر اللواء محمد إبراهيم، وزير الداخلية حينها، قرارًا بعودة القيادات المحالة إلى التقاعد لمقر عملهم، وتفويض اللواء محمد حنفي، بمهام متابعة النشاط الديني، في ظل التغييرات السياسية التي أجهضت مشروع التنظيم الدولي، عقب قرارات 3 يوليو 2013.
قدم جهاز "الأمن الوطني" عددًا من الشهداء في إطار معركته مع التيارات الظلامية، أبرزهم -على سبيل المثال لا الحصر-، المقدم أحمد علاء، رئيس قسم مكافحة النشاط الديني بمباحث أمن الدولة، فرع الفيوم، الذي تم اغتياله عام 1991، وكذلك اللواء رءوف خيرت، نائب رئيس جهاز أمن الدولة، ومسؤول النشاط الديني، الذي تم اغتياله عام 1993.
كذلك تم اغتيال الضابط محمد أبو شقرة، من قوة مكافحة الإرهاب، إثر إطلاق النار عليه من جانب مجهولين، بشمال سيناء، خلال متابعته لملف الجنود المختطفين، والنقيب شريف عزازي إبراهيم عزازي، الذي تم استهدافه عقب أدائه صلاة الجمعة بمنطقة الجبل الأصفر بمحافظة القليوبية، في يوليو 2017.
كما تم استهداف المقدم محمد مبروك، أحد المسؤولين عن ملف النشاط الديني بجهاز الأمن الوطني، والذي تعرض للاغتيال في 18 نوفمبر 2013، وكان شاهدًا على عدد من القضايا المتعلقة بالأمن القومي المصري، أهمها القضية رقم 371 لسنة 2013 ( أمن الدولة العليا)، المعروفة إعلاميًا بقضية " التخابر الكبرى".