القلق يضرب إسرائيل: كيف أربكت حرب إيران الجبهة الداخلية في تل أبيب؟
لم تكن المواجهة المفتوحة بين إسرائيل وإيران مجرد جولة عسكرية جديدة في سياق الصراع الإقليمي، بقدر ما مثلت اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة العبرية على إدارة حرب متعددة الجبهات في ظل بيئة داخلية مضطربة، فبينما ركزت الدعاية الرسمية الإسرائيلية على إظهار التفوق العسكري والقدرة على توجيه ضربات نوعية للمنشآت الإيرانية، كشفت التطورات الميدانية وما تبعها من ردود فعل داخلية عن واقع أكثر تعقيدًا، يتداخل فيه العامل الأمني مع الأزمات السياسية والاجتماعية التي تعيشها إسرائيل منذ سنوات.
تدرك "إسرائيل" أن الجبهة الداخلية هي نُقطة ضعفها، وأن إيران والحزب يمتلكان صواريخ وقذائف متطورة تُغطي كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقد أثبتت مقدرتها على إصابة البنى التحتية الحيوية والأهداف الاستراتيجية في العمق، بما شل الحياة وعطّل الروتين اليومي للمستوطنين، كأداة للضغط على الحكومة وصناع القرار في "دولة" الاحتلال، بهدف التأثير السريع في نتيجة الحرب.
ومن المعلوم أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية تؤدي دورين رئيسيين خلال الحرب، أولهما هو دعم المجهود الحربي عبر توفير الأفراد والموارد والدعم اللوجستي لجبهة القتال، وثانيهما، وبدرجة الأهمية نفسها، يُشكل صمود الجبهة الداخلية حتى نهاية القتال عنصرًا أساسيًا في قوة "إسرائيل" وقدرتها على حسم الصراعات بسرعة.

وتُعدّ الجبهة الداخلية أمراً بالغ الأهمية وتشكل عنصرًا حاسمًا في القدرة على حسم المعركة والانتصار، وخصوصاً في حرب متعددة الساحات. وفي "إسرائيل" تحديدًا، حيث غالبًا ما تكون الجبهة الداخلية جزءًا أساسيًا في المواجهة، يدرك قادتها أن الاختلاف الأساسي بين حروب اليوم والحروب التي خاضتها حتى منتصف القرن التاسع عشر، هو أن مستوطنيها "المدنيين" ظلوا دائمًا خارج "منطقة الحرب".
الجدير بالذكر أنه مع الحروب الإسرائيلية المستمرة منذ ولادتها عام 1948، اكتسبت مهمة معالجة الأزمات التي تواجه المجتمع أثناء تلك الحروب وذلك من خلال إنشاء ما يسمى بـ"قيادة الجبهة المدنية"، التي تم تأسيسها عام 1991، وهي قيادة عسكرية مدنية تابعة للجيش الإسرائيلي، تأسست عام 1992، وتم تكليفها بالعمل على تدريب المدنيين، بالتعاون مع المؤسسات المدنية-على كيفية التعامل مع حالات الطوارئ. وتشمل هذه القيادة وحدات وألوية متخصصة، منها لواء البحث والإنقاذ الذي تأسس عام 2013، ووحدة التكنولوجيا والابتكار والوحدات اللوجستية.

وتشير آخر البيانات المتاحة عنها إلى أن مقر قيادتها يقع في مدينة الرملة ولها 6 مقرات فرعية موزعة في عدة مدن ويخدم فيها ما يقرب من 70 ألف جندي غالبيتهم من جنود الاحتياط. تضم الجبهة 26 كتيبة إنقاذ موزعة على مناطق متفرقة، و13 كتيبة متخصصة في الدفاع ضد الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، وتدير 14 مستشفى عسكرياً، و8 كتائب مشاة خفيفة، و6 وحدات لوجيستية. إضافة لـ4 كتائب مقاتلة. ويرأس الجبهة قائد برتبة عقيد يتمتع بعضوية هيئة الأركان.
في ظل حالة الطوارئ التي تعيشها دولة الاحتلال بسبب حروبها المستمرة مع جيرانها، يتم الإعلان عن وضع البلاد بأكملها تحت مظلة قيادة الجبهة المدنية، ويجب أن يحظى هذا الإعلان بموافقة لجنة الشئون الخارجية والأمن في الكنيست بعد الاستماع لتقارير من مجلس الأمن القومي ولجنة الاستخبارات، وعادة ما يتم منح التفويض للجيش لإصدار الأوامر لكافة مؤسسات الدولة.
وعقب الهجوم المشترك الإسرائيلي الأمريكي صدر الأمر التنفيذي بوضع البلاد في الحالة الخاصة للجبهة الداخلية حتى الثاني عشر من مارس الجاري، وسيتوقف تجديد هذا الأمر لاحقاً على تطورات الحرب الجارية حاليًا.
وقد أظهرت الحرب مع إيران أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية لم تعد تلك الكتلة الصلبة التي طالما روجت لها النخبة السياسية والعسكرية، فالتصدعات السياسية الحادة، والانقسام المجتمعي العميق، والتخوفات الأمنية المتزايدة، جميعها اجتمعت لتخلق حالة من القلق العام داخل الشارع الإسرائيلي، ما يعكس تحولات بنيوية في طبيعة المجتمع والدولة معًا.

أولًا: أزمة داخلية
تزامنت المواجهة مع إيران مع واحدة من أكثر الفترات السياسية اضطرابًا في تاريخ دولة الاحتلال الإسرائيلي، فمنذ سنوات تعيش الساحة السياسية الإسرائيلية حالة من الاستقطاب الحاد، تفاقمت مع عودة بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة، وتشكيله ائتلافًا يمينيًا متطرفًا يضم شخصيات مثيرة للجدل مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
وقد أدت السياسات التي انتهجها هذا الائتلاف إلى تصاعد الخلافات الداخلية، خصوصًا فيما يتعلق بمشروع تعديل النظام القضائي الذي أثار موجة احتجاجات غير مسبوقة داخل المجتمع الإسرائيلي، هذه الاحتجاجات لم تكن مجرد خلاف سياسي عابر، بل عكست انقسامًا عميقًا بين معسكرين أحدهما يمثل التيار الليبرالي العلماني، والآخر يجسد اليمين القومي والديني.
وقد جاءت الحرب مع إيران لتضع القيادة الإسرائيلية أمام معضلة مزدوجة، متمثلة في إدارة مواجهة عسكرية خارجية مع خصم إقليمي قوي، وفي الوقت نفسه احتواء التوترات الداخلية التي تهدد بتفكيك الإجماع الوطني.

ثانيًا: الخوف في الشارع الإسرائيلي
من أبرز النتائج التي أفرزتها الحرب حالة القلق المتزايد داخل المجتمع الإسرائيلي، فمع تصاعد الرد الإيراني، دخلت إسرائيل في حالة استنفار أمني غير مسبوقة، شملت إغلاق المجال الجوي في بعض الفترات، وتفعيل أنظمة الدفاع الجوي في مختلف المناطق. ورغم اعتماد إسرائيل على منظومات متطورة مثل منظومة القبة الحديدية، فإن القلق الشعبي لم يتراجع، فالمواطن الإسرائيلي بات يدرك أن المواجهة مع إيران تختلف جذريًا عن الحروب السابقة مع الفصائل الفلسطينية أو حتى مع حزب الله.
إيران ليست مجرد فاعل إقليمي محدود القدرات، بل دولة تمتلك شبكة واسعة من الحلفاء الإقليميين، فضلاً عن ترسانة صاروخية ضخمة قادرة على تهديد العمق الإسرائيلي، هذا الإدراك انعكس في سلوك المجتمع الإسرائيلي، حيث شهدت الملاجئ العامة استعدادات واسعة، وارتفعت معدلات القلق والخوف من اندلاع حرب شاملة قد تمتد إلى أكثر من جبهة.
ثالثًا: سيناريو تعدد الجبهات
أحد أبرز المخاوف التي سيطرت على المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يتمثل في احتمال اندلاع حرب متعددة الجبهات، فالمواجهة مع إيران لا تعني فقط تبادل الضربات بين دولتين، بل تفتح الباب أمام تدخل حلفاء طهران في المنطقة، خاصة في ظل بروز دور حزب الله في لبنان، الذي يمتلك ترسانة صاروخية ضخمة يقدرها الخبراء بعشرات الآلاف من الصواريخ، بجاتب الدور الذي تلعبه جماعة الحوثيين في اليمن.

رابعًا: اهتزاز صورة الردع
اعتمدت إسرائيل على ما يعرف بـ"نظرية الردع"، وهي العقيدة التي تقوم على إقناع الخصوم بأن أي مواجهة معها ستكون مكلفة إلى حد يجعلهم يترددون في خوضها، لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن هذه النظرية تواجه تحديات متزايدة. خاصة أن إيران لم تتردد في الرد المباشر على أي هجوم إسرائيلي، وهو ما يمثل تحولًا في قواعد الاشتباك التي حكمت العلاقة بين الطرفين، ما يعني الحرب ليست بعيدة عن المدن الكبرى مثل تل أبيب وحيفا، وهو ما يعزز الشعور بعدم الأمان داخل المجتمع.
خامسًا: الاقتصاد تحت ضغط الحرب
لا يمكن فصل حالة القلق داخل إسرائيل عن التأثيرات الاقتصادية للحرب، فالتوترات الأمنية غالبًا ما تنعكس بشكل مباشر على الاقتصاد، سواء من خلال تراجع الاستثمارات الأجنبية أو اضطراب حركة التجارة، وقد بدأت بالفعل بعض المؤشرات الاقتصادية في التراجع مع تصاعد التوتر مع إيران، خصوصًا في قطاع التكنولوجيا الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الإسرائيلي. كما أن استمرار حالة الطوارئ الأمنية يفرض أعباء مالية كبيرة على الحكومة، سواء فيما يتعلق بتمويل العمليات العسكرية أو تعزيز منظومات الدفاع، وهذه الضغوط الاقتصادية تضيف بُعدًا جديدًا للأزمة الداخلية، لأنها تؤثر بشكل مباشر على مستوى معيشة المواطنين.
سادسًا: أزمة الثقة
من أخطر التداعيات التي كشفتها الحرب مع إيران تراجع الثقة بين المجتمع الإسرائيلي والقيادة السياسية، فالكثير من الإسرائيليين باتوا يشككون في قدرة الحكومة الحالية على إدارة أزمة في ظل إطالة أمد الحرب، وقد انعكس هذا التراجع في استطلاعات الرأي التي أظهرت انخفاضًا ملحوظًا في شعبية الحكومة، فضلاً عن تصاعد الانتقادات داخل المؤسسة الأمنية نفسها، فبعض القادة العسكريين السابقين حذروا من أن الانقسامات السياسية الداخلية قد تضعف قدرة إسرائيل على خوض حرب طويلة.
وبالتالي فإن هذا التباين بين الخطاب الرسمي والواقع الداخلي يعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي الإسرائيلي، الذي أصبح أكثر عرضة للاستقطاب الحاد.

سابعًا: التحولات الديموغرافية
تواجه إسرائيل كذلك تحديات ديموغرافية واجتماعية متزايدة، خصوصًا في ظل التوتر بين التيارات العلمانية واليهودية المتشددة، في ظل تصاعد الخلافات العميقة حول قضايا مثل الخدمة العسكرية للحريديم وطبيعة الدولة الإسرائيلية، والتي تصبح أكثر حدة في أوقات الحرب، لأن المجتمع يحتاج إلى قدر أكبر من التضامن الداخلي لمواجهة التحديات الخارجية، لكن واقعيًا تعيش إسرائيل مرحلة من التوتر الاجتماعي قد تؤثر على قدرتها على الحفاظ على هذا التضامن.

ختامًا:
تكشف الحرب مع إيران أن إسرائيل تواجه تحديًا مزدوجًا، ما بين مواجهة خصم إقليمي يمتلك قدرات عسكرية متنامية، وفي الوقت نفسه التعامل مع مجتمع داخلي يعاني من انقسامات عميقة، هذه المعادلة المعقدة تجعل أي مواجهة طويلة مع إيران محفوفة بالمخاطر، ليس فقط على المستوى العسكري، بل أيضًا على مستوى الاستقرار الداخلي.
ففي الوقت الذي تسعى فيه القيادة الإسرائيلية إلى الحفاظ على صورة القوة والردع، تشير المؤشرات الداخلية إلى أن المجتمع الإسرائيلي يعيش مرحلة من القلق والاضطراب غير المسبوقين، ومع استمرار التوتر في المنطقة، يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى قدرة إسرائيل على إدارة حرب طويلة دون أن تتفاقم أزماتها الداخلية.