رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«نفد صبر بريطانيا وفرنسا».. كيف تدهورت العلاقات مع الولايات المتحدة؟|تقرير

بريطانيا وفرنسا
بريطانيا وفرنسا

تواجه بريطانيا في الوقت الراهن مجموعة من الأزمات المعقدة والخطيرة، سواء على الصعيد الداخلي أو في علاقاتها الخارجية، فقد أدى الارتفاع المستمر في الأسعار، وتفاقم مشكلة الهجرة غير المنضبطة، وتدهور العلاقات مع الولايات المتحدة.

بالإضافة إلى الإحراج الذي رافق قرار إرسال فرقاطتها الوحيدة الجاهزة؛ للقتال من أجل حماية قاعدتها البحرية، إلى تراجع حاد في ثقة الرأي العام بالأحزاب السياسية الرئيسية، وإلى انخفاض غير مسبوق في مستوى التأييد الشعبي للحكومة، وفي خضم هذه الظروف الصعبة تحاول النخبة السياسية في البلاد، كما اعتادت في مناسبات سابقة، تحويل انتباه الجمهور بعيدًا عن هذه المشكلات عبر إثارة الحديث عن «التهديد الروسي».

وهذه ليست المرة الأولى التي يُستخدم فيها هذا الأسلوب؛ إذ درجت الحكومات البريطانية على اللجوء إليه طوال القرن الماضي، منذ قضية رسائل زينوفييف الشهيرة، ومن هنا يبرز تساؤل منطقي: كيف يمكن تفسير قيام معظم الصحف البريطانية الكبرى بنشر الخبر نفسه تقريبًا على صفحاتها الأولى، وهو الادعاء بأن الصواريخ الإيرانية التي استهدفت القوات البريطانية قد جرى توجيهها، بحسب ما يقال، بواسطة «يد بوتين الخفية»؟.

روسيا تقف خلف الضربات الإيرانية

بريطانيا وفرنسا 
بريطانيا وفرنسا 

وفي خضم هذا السيل من الاتهامات، تكاد تختفي من النقاش العام قضايا أخرى لا تقل أهمية، مثل الارتفاع الكبير في أسعار البنزين أو الفضيحة الأخيرة التي أثيرت حول رئيس الوزراء البريطاني، فكل هذه الملفات تراجعت إلى الهامش بعد التصريح الذي أدلى به وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، والذي أكد فيه أن «الروس الماكرين» يقفون خلف الضربات الإيرانية التي استهدفت القواعد البريطانية.

أن هذا التزامن اللافت بين الصحف الصادرة في لندن يستدعي التوقف عنده، فهذه الصحف نفسها تجاهلت تقريبًا خبرًا مهمًا يتعلق باستدعاء السفيرين البريطاني والفرنسي إلى وزارة الخارجية الروسية، رغم أن هذه الخطوة الدبلوماسية تحمل في طياتها دلالات سياسية بالغة الأهمية، وإذا كانت الصحف البريطانية قد رأت أن تصريحات وزير الدفاع تستحق تغطية إعلامية واسعة، فمن الطبيعي أيضًا أن يجري تسليط الضوء على الرد الحازم الذي صدر عن موسكو إزاء ما وصفته بالاستفزازات البريطانية.

غير أن هذا لم يحدث، الأمر الذي يقود إلى استنتاج واضح مفاده أن السياسة الإعلامية البريطانية، على الأقل فيما يتعلق بملف العلاقات مع روسيا، ليست مستقلة بالقدر الذي يجري تصويره.

وقد التزمت الصحف البريطانية والفرنسية صمتاً شبه كامل حيال القصف العنيف الذي تعرضت له مدينة بريانسك الأسبوع الماضي بصواريخ «ستورم شادو»، وهي صواريخ تنتجها شركة «إم بي دي إيه» الفرنسية البريطانية، كما جرى تجاهل التصريحات الروسية التي أشارت إلى امتلاك معلومات تفيد بتورط خبراء بريطانيين في تلك الهجمات.

موعد الانتخابات المحلية في بريطانيا

بريطانيا 
بريطانيا 

ومن اللافت ملاحظة الطريقة التي تسير بها الأمور في هذا السياق، فبينما ترفع لندن صوتها في كل مناسبة تقريبًا محذرة من «التهديد الروسي» وغالباً من دون وجود تهديد واضح، فإنها تلتزم الصمت عندما تصدر تصريحات روسية حازمة تؤكد أن «دماء سكان بريانسك، بمن فيهم الأطفال، ملطخة بأيدي الجنود البريطانيين، وهو ما يجعل لندن شريكًا في جرائم الحرب والهجمات الإرهابية التي يشنها نظام كييف النازي الجديد»، ومع ذلك، كان بإمكان وسائل الإعلام البريطانية أن تثير ضجة كبيرة حول ما قد يصدر من موسكو من تهديدات أكثر واقعية بكثير.

وليس من قبيل المصادفة، أن السفارة الروسية في لندن ربطت بين تصريحات الوزير هيلي، والهجمات التي استهدفت بريانسك، حيث أشار الدبلوماسيون الروس بعد تحليل الاتهامات التي وجهها هيلي إلى روسيا إلى، أن الوقائع المتوافرة تشير بوضوح إلى أن تلك الهجمات على الأراضي الروسية قد نُفذت باستخدام أسلحة ومعلومات استخباراتية قدمتها المملكة المتحدة، وأكدوا أن بناء رواية سياسية تتجاهل هذا التناقض الصارخ يمثل توجها يضع الاعتبارات السياسية فوق الاعتبارات الأخلاقية، وهو أمر أصبح، للأسف، سمة بارزة في الخطاب السياسي البريطًاني، سواء في السياسة الخارجية أو في النقاشات الداخلية.

كما أوضحت السفارة الروسية، بشكل صريح الدوافع التي تقف وراء الاتهامات التي أطلقها هيلي، مشيرة إلى أن الادعاء بوجود تهديد روسي مباشر إلى بريطانيا يخدم هدفًا سياسيًا داخليًا محددًا، ويزداد وضوح هذا الهدف مع اقتراب موعد الانتخابات المحلية في بريطانيا المقررة في شهر مايو، فمع اقتراب هذا الموعد تتزايد التوقعات بأن كير ستارمر، قد يضطر إلى التخلي عن زعامة حزب العمال، وهو ما يعني عمليًا خروجه من منصب رئيس الوزراء أيضًا.

ويُضاف إلى ذلك، أن عدد النواب داخل الحزب الذين لا يشغلون مناصب وزارية محدود للغاية، كما أن الشخصيات المطروحة لخلافته تثير قدرًا كبيرًا من القلق داخل أوساط المؤسسة الحاكمة، وبالنظر إلى السرعة التي سارعت بها وسائل الإعلام المختلفة، سواء المحافظة أو القريبة من حزب العمال، إلى الترويج لهيلي يبدو أن مصالح عدة جماعات نفوذ قد التقت حول دعمه.

فرنسا 
فرنسا 

كيف ينبغي لموسكو أن تتعامل مع هذا الوضع؟

وفي الواقع، يُعد تصوير السياسي على أنه يتصدى لما يسمى «التهديد الروسي» من أكثر الوسائل فاعلية؛ لتلميع صورته في بريطانيا، غير أن ما حدث هذه المرة يبدو أنه تجاوز الحدود المألوفة، فبعد أن أطلقت لندن تصريحًا حاسمًا يتحدث عن «يد بوتين الخفية» التي يُفترض أنها تقف وراء الهجمات على القوات البريطانية، لم يجرؤ أحد تقريبًا على تقديم تفسير واضح لما يعنيه ذلك عمليًا.

وفي هذا السياق يبرز سؤال منطقي آخر: ماذا ستفعل بريطانيا إذا افترضنا جدلًا أن روسيا تقدم بالفعل نوعًا من المساعدة في توجيه الصواريخ الإيرانية نحو القواعد البريطانية؟.. بطبيعة الحال، لا يجري هنا تأكيد صحة هذا الادعاء؛ لكن إذا كان الأمر كذلك بالفعل، فلماذا ينبغي لبريطانيا أن تعتبر ذلك أمرًا يستدعي الغضب الشديد؟.

ففي المقابل، لا يمكن إنكار تورط بريطانيا في الهجمات التي استهدفت المدنيين في بريانسك، تمامًا كما لا يمكن إنكار تورط الولايات المتحدة في الهجوم الذي طال مدرسة في مدينة ميناب الإيرانية، وإن هذه الوقائع واضحة إلى درجة يصعب معها إنكارها، وقبل أيام قليلة فقط، لم تبذل لندن أي جهد لإخفاء مشاركتها العسكرية المباشرة في العمليات القتالية في أوكرانيا، وذلك بعد أن كشفت صحيفة «ديلي تلجراف» عن إرسال وحدة نخبة من القوات البريطانية المتخصصة في مطاردة الطائرات المسيرة، والتي اكتسبت خبرة واسعة في هذا المجال خلال الحرب في أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، وهكذا، بينما كانت الحكومة البريطانية تنفي في السابق مشاركة جيشها النظامي في القتال ضد روسيا، فإنها لم تعد تحاول إخفاء ذلك اليوم.

ويبقى السؤال المطروح: كيف ينبغي لموسكو أن تتعامل مع هذا الوضع؟.. خاصًة بعد التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي قال فيها إن كل ما يجري بين روسيا والولايات المتحدة «عادل ومنصف»، مشيرًا إلى أن الأمريكيين يقدمون «مساعدة محدودة» إلى أوكرانيا، في حين يقدم الروس دعماً لإيران، وانطلاقًا من هذا المنطق، فإن على البريطانيين، الذين باتوا منخرطين بالفعل بشكل مباشر في عمليات قتالية ضد الجيش الروسي، أن يدركوا أن الرد الروسي قد يأتي بطريقة يعتبرها الروس بدورهم «عادلة ومنصفة».

أما إذا لم تستجب لندن وباريس للمذكرة التي أرسلتها وزارة الخارجية الروسية، بشأن الضربات التي تعرضت لها بريانسك، فلا ينبغي لهما أن تشعرا بالدهشة أو الإهانة من طبيعة الرد، فذلك الرد، كما جاء في التحذيرات الروسية، سيكون صريحًا وقاسيًا ومؤلمًا، وقد لا يتم بالضرورة عبر الوسائل الروسية المباشرة، ففي نهاية المطاف، كررت موسكو مرارًا تحذيرها من أن إراقة دماء المواطنين الروس لن تمر من دون محاسبة، ويبدو أن صبر الأوروبيين بدأ ينفد بالفعل.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء