أوراق الضغط الاقتصادية تتحرك.. الشركات الأمريكية تحاول وقف الحرب مع إيران
مع اتساع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وتحولها إلى صراع يؤثر في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وجدت الشركات الأمريكية العملاقة نفسها أمام معادلة معقدة، فمن ناحية تستفيد بعض القطاعات خاصة الصناعات العسكرية والطاقة من ارتفاع الطلب والأسعار، لكن من ناحية أخرى يهدد استمرار الحرب مصالح الشركات متعددة الجنسيات التي تعتمد على الاستقرار التجاري وحركة التجارة العالمية.
ومن هنا بدأت تلك الشركات العابرة للقارات تمارس ضغوطًا متزايدة على صانعي القرار في واشنطن لتجنب تصعيد طويل الأمد قد يضر بالنظام الاقتصادي العالمي الذي تشكل هذه الشركات أحد أعمدته.
ضغوط الشركات الأمريكية
تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن الاقتصاد الأمريكي يهيمن عليه شبكة واسعة من الشركات متعددة الجنسيات التي تعمل في مئات الدول وتدير سلاسل إنتاج عابرة للقارات، وتضم هذه الشبكة شركات عملاقة في مجالات التكنولوجيا والطاقة والصناعة والخدمات المالية، ويعتمد جزء كبير من أرباحها على استقرار الأسواق الدولية وحرية التجارة وحركة النقل البحري والجوي، ومع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، بدأت هذه المنظومة الاقتصادية تواجه اضطرابات مباشرة في الطاقة والنقل وسلاسل التوريد.
خسائر اقتصادية واسعة
فمنذ الأيام الأولى للحرب، ظهرت آثار اقتصادية واسعة النطاق على الشركات العالمية، حيث أدي التصعيد العسكري إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل بعض الممرات التجارية الحيوية، إضافة إلى اضطرابات في حركة الطيران والشحن الدولي، وتشير تقارير اقتصادية دولية إلى أن الحرب أدت إلى ارتفاع أسعار النفط والوقود وتعطيل طرق التجارة وإثارة مخاوف بشأن موثوقية طرق الإمداد التي تنقل السلع من الغذاء إلى قطع السيارات والإلكترونيات.
وتزداد حساسية الشركات الأمريكية تجاه هذه الاضطرابات بسبب انتشار عملياتها في الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا، فشركات الطاقة الأمريكية الكبرى مثل إكسون موبيل، شل، وتوتال تعتمد بدرجات متفاوتة على الإنتاج في الشرق الأوسط، حيث تشير تقديرات المحللين إلى أن نحو 20% من إنتاج النفط والغاز لدى إكسون وشل يأتي من المنطقة، بينما يصل نصيب الشرق الأوسط إلى نحو 29% من إنتاج شركة توتال.
توقف مشاريع أمريكية ضخمة
كما أن بعض أنشطة هذه الشركات تعتمد مباشرة على البنية التحتية للطاقة في الخليج، ففي قطاع الغاز الطبيعي المسال، تعتمد مشاريع ضخمة على منشآت في قطر والإمارات، وتشير تقديرات الصناعة إلى أن ما يقرب من 60% من أعمال الغاز الطبيعي المسال لشركة إكسون موبيل مرتبطة بالشرق الأوسط، ما يجعل أي اضطراب أمني في المنطقة تهديدًا مباشرًا لأرباح الشركة واستثماراتها.
ولا تقتصر التأثيرات على قطاع الطاقة فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله. فالحرب أدت إلى تعطيل بعض طرق التجارة وارتفاع تكاليف الشحن والطيران وإغلاق أجزاء من المجال الجوي في الشرق الأوسط، ما تسبب في موجة واسعة من إلغاء الرحلات وإعادة توجيه خطوط الطيران الدولية.
صدمة في أسواق الطاقة
كما أن تصاعد التوتر حول مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية يهدد بإحداث صدمة كبيرة في أسواق الطاقة، وتقدر تقارير اقتصادية أن الصراع أدى إلى خفض ما يقرب من 20 مليون برميل يوميًا من الإمدادات النفطية العالمية، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة المخاوف من ركود اقتصادي عالمي إذا استمرت الأزمة.
وتضع هذه التطورات الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات في موقف معقد، حيث حققت شركات الصناعات العسكرية مكاسب من زيادة الإنفاق الدفاعي مثل Lockheed Martin وRaytheon وPalantir تعد من أبرز المستفيدين من تصاعد التوترات العسكرية، نظرًا لاعتماد الحكومات على أنظمة الصواريخ والطائرات والتقنيات العسكرية المتقدمة.
لكن في المقابل، ترى العديد من الشركات الصناعية والتكنولوجية والمالية أن استمرار الحرب يمثل تهديدًا مباشرًا للنظام الاقتصادي العالمي الذي تعتمد عليه، خاصة الشركات التي تعتمد على شبكة معقدة من سلاسل إمداد تمتد عبر القارات، من المصانع الآسيوية إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية، وبالتالبي أي اضطراب في الطاقة أو النقل أو التجارة يمكن أن يرفع تكاليف الإنتاج ويؤدي إلى انخفاض الطلب العالمي.
ولهذا السبب، تمارس جماعات الضغط الاقتصادية والشركات متعددة الجنسيات تأثيرًا متزايدًا في النقاش السياسي داخل الولايات المتحدة، ويعد نشاط جماعات الضغط جزءًا أساسيًا من النظام الاقتصادي الأمريكي، حيث تنفق الشركات مليارات الدولارات سنويًا للتأثير في السياسات الاقتصادية والتجارية.
وفي سياق الحرب الحالية، يخشى العديد من المستثمرين والشركات من أن يؤدي الصراع إلى موجة جديدة من التضخم العالمي وارتفاع تكاليف الطاقة، وهو ما قد يضغط على أرباح الشركات ويهدد النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة وأوروبا، كما أن استمرار الحرب قد يفاقم هشاشة سلاسل الإمداد العالمية التي لم تتعاف بالكامل بعد من آثار جائحة كورونا والحرب الأوكرانية.