بين نفط إيران وتصاعد الحرب.. هل يواجه التنين الصيني أزمة طاقة؟
يشكل أمن الطاقة أحد الأعمدة الرئيسية لاستمرار النمو الاقتصادي في الصين، التي أصبحت خلال العقدين الماضيين أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، ومع تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، تتجه الأنظار إلى بكين بوصفها أحد الأطراف الاقتصادية الأكثر تأثرًا بأي اضطراب في صادرات النفط الإيرانية أو في حركة الملاحة عبر الخليج.
الاعتماد علي النفط الإيراني
تكمن أهمية الأمر في أن الصين التي تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات لتلبية احتياجاتها المتزايدة من الطاقة، وجدت في النفط الإيراني مصدرًا مهمًا منخفض التكلفة، ما جعل العلاقة النفطية بين البلدين عنصرًا مؤثرًا في معادلة الطاقة العالمية.
11 مليون برميل يوميًا
وتشير بيانات الطاقة الدولية إلى أن الصين تستورد يوميًا حوالي 11 مليون برميل من النفط الخام، في حين لا يتجاوز إنتاجها المحلي نحو 4.3 مليون برميل يوميًا، ويعني ذلك أن أكثر من 70% من احتياجاتها النفطية يتم تلبيتها عبر الاستيراد من الخارج، وتأتي هذه الواردات أساسًا من روسيا والسعودية والعراق والإمارات وإيران، وهو ما يجعل الاقتصاد الصيني حساسًا لأي اضطراب في إمدادات الطاقة العالمية.
في هذا السياق، برزت إيران خلال السنوات الأخيرة كمصدر مهم للنفط بالنسبة للصين رغم العقوبات الأمريكية المفروضة على قطاع الطاقة الإيراني، حيث بلغت واردات الصين من النفط الإيراني في عام 2024 نحو 1.48 مليون برميل يوميًا، بينما استقرت خلال النصف الأول من عام 2025 عند نحو 1.38 مليون برميل يوميًا، مع تسجيل بعض الأشهر مستويات أعلى قاربت 1.8 مليون برميل يوميًا، وتمثل هذه الكميات ما بين 13 و15% من إجمالي واردات الصين النفطية.
الصين المستورد الأول من إيران
في المقابل، تعتمد إيران بشكل شبه كامل على السوق الصينية لتصريف صادراتها النفطية في ظل العقوبات الغربية، إذ تشير تقديرات مؤسسات الطاقة الدولية إلى أن نحو 90% من النفط الإيراني المصدر يتجه إلى الصين، وقد ساهمت هذه العلاقة في ظهور نمط من الاعتماد المتبادل، حيث تحصل الصين على النفط بأسعار مخفضة مقارنة بالسوق العالمية، بينما تحصل إيران على منفذ اقتصادي شبه وحيد لبيع نفطها.
وتكمن إحدى أهم مزايا النفط الإيراني بالنسبة للصين في السعر، إذ يباع غالبًا بخفض يتراوح بين ثلاثة وأربعة دولارات للبرميل مقارنة بسعر خام برنت، كما أن المصافي المستقلة في الصين، خصوصًا في إقليم شاندونج، تعتمد على هذه الإمدادات المخفضة لتعزيز قدرتها التنافسية في سوق التكرير الآسيوية.
تداعيات الحرب الإيرانية
لكن مع تصاعد المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، بدأت المخاوف تتزايد من تعرض هذه الإمدادات لاضطرابات حادة، خاصة في ظل احتمال استهداف منشآت التصدير الإيرانية أو تعطل حركة الملاحة في الخليج، ويعد مضيق هرمز نقطة محورية في هذه المعادلة، إذ يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، كما تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط المتجهة إلى الصين.
4 سيناريوهات تنتظر الصين
في ظل هذه المعطيات، يمكن تصور عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل العلاقة النفطية بين الصين وإيران وتأثيرها على الاقتصاد الصيني.
ويشير السيناريو الأول، إلي استمرار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران عند مستوى الضغوط العسكرية والسياسية دون أن تتطور إلى حرب واسعة تستهدف البنية التحتية النفطية بشكل مباشر، وفي هذه الحالة قد تواصل إيران تصدير النفط إلى الصين عبر الشبكات التجارية الحالية، مع احتمال ارتفاع محدود في تكاليف الشحن والتأمين نتيجة المخاطر الجيوسياسية.
وسيؤدي ذلك إلى زيادة طفيفة في أسعار النفط العالمية، لكنه لن يسبب صدمة كبيرة للاقتصاد الصيني، ومن المرجح أن تستمر المصافي الصينية في استيراد النفط الإيراني مستفيدة من الخصومات السعرية، مع تعزيز بكين لمخزوناتها الاستراتيجية تحسبًا لأي تصعيد مفاجئ.
أما السيناريو الثاني، يقوم علي افتراض تعرض منشآت تصدير النفط الإيرانية لهجمات جديدة أو فرض قيود أكثر صرامة على حركة ناقلات النفط، فقد تنخفض صادرات إيران بما يتراوح بين مليون و1.5 مليون برميل يوميًا، وفي هذه الحالة ستفقد الصين جزءًا مهمًا من إمدادات النفط منخفض التكلفة التي تعتمد عليها مصافيها.
وسيدفع ذلك بكين إلى البحث عن بدائل من دول أخرى مثل السعودية أو العراق أو روسيا، لكن بأسعار أعلى، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج الصناعي في الصين ويؤثر في هوامش أرباح شركات التكرير.
في السيناريو الثالث وهو الأكثر خطورة على الاقتصاد الصيني والعالمي، مع تصاعد المواجهات فإن جزءًا كبيرًا من إمدادات النفط القادمة من الخليج قد يتوقف مؤقتًاـ وبالنسبة للصين، التي يعتمد نحو 45% من وارداتها النفطية على الإمدادات القادمة عبر هذا المضيق، فإن مثل هذا التطور قد يسبب صدمة طاقة كبيرة، وقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًا إلى مستويات تتجاوز 120 دولارًا للبرميل، وهو ما سينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج الصناعي والنقل داخل الصين، وقد يضغط على معدلات النمو الاقتصادي.
إعادة تشكيل خريطة الطاقة
بينما في حال استمرار التوترات لفترة طويلة، قد تدفع الأزمة الصين إلى تسريع عملية إعادة هيكلة مصادر الطاقة لديها، وقد يشمل ذلك زيادة الاعتماد على النفط الروسي، وتوسيع الاستثمارات في خطوط الأنابيب البرية التي تقلل الاعتماد على الممرات البحرية، إضافة إلى تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية، كما قد تعزز بكين من حجم احتياطياتها الاستراتيجية من النفط بهدف تقليل تأثير أي صدمات مستقبلية في الإمدادات.