رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أدباء ونقاد لـ«إيجبتك» عن «إبراهيم عبدالمجيد»: روائي صنع ذاكرة المكان

الكاتب الروائي الكبير
الكاتب الروائي الكبير إبراهيم عبدالمجيد

يُعد الروائي الكبير إبراهيم عبدالمجيد واحدًا من أبرز الأسماء في الرواية العربية المعاصرة، حيث استطاع عبر مسيرته الإبداعية الطويلة أن يرسخ مكانته كصوت سردي مميز، جمع بين التأريخ للمكان، خصوصًا الإسكندرية، وبين الاشتباك مع تحولات المجتمع المصري والإنساني، و حظيت تجربته باهتمام واسع من الكُتّاب والنقاد الذين قرأوا أعماله من زوايا مختلفة، فتوقفوا عند لغته السردية، ورؤيته الجمالية، ومغامرته الفنية في الرواية. 

وفي هذا التقرير عبر السطور التالية يستعرض "إيجبتك" شهادات لعدد من الأدباء والنقاد حول تجربة إبراهيم عبدالمجيد ومسيرته الإبداعية؛ بمناسبة بلوغة سن الثمانيين.
 

أحمد فضل شبلول: إبراهيم عبدالمجيد من الإسكندرية إلى العالمية

قال الشاعر والروائي الكبيرأحمد فضل شبلول إنه يتساءل دائمًا: هل كان الروائي إبراهيم عبدالمجيد سيحقق ما حققه من حضور كبير وإبداع وانتشار وجوائز وترجمات لو ظل في الإسكندرية؟ أم كان سيصبح مثل بعض أترابه من كتاب الإسكندرية المقيمين فيها، بعيدًا عن الأضواء ودور النشر والصحافة والمنصات الإعلامية المختلفة؟

وأضاف شبلول في حديثه لـ"إيجبتك": أن شخصية إبراهيم عبدالمجيد تأبى التقوقع والانكفاء والدخول في العتمة وندب الحظ، لذلك بادر سريعًا بالانتقال إلى القاهرة، ليصارع أمواجًا أخرى غير أمواج الإسكندرية التي أحبها بطريقة مختلفة عن حب كتاب آخرين لها، مثل محمد جبريل وإدوار الخراط وسعيد سالم ومصطفى نصر.

وأشار إلى أن الدليل على ذلك يتجلى في ثلاثيته الروائية عن الإسكندرية، وهي: “لا أحد ينام في الإسكندرية”، و"طيور العنبر"، و"الإسكندرية في غيمة"، والتي تعد من أبرز أعماله التي أرخت للمدينة ككيان إنساني عالمي، على نحو مغاير لما كتبه جبريل والخراط وسالم ونصر، وحتى ما كتبه شبلول نفسه.

ذاكرة النسيان” في أسلوب عبدالمجيد

وأوضح أن أسلوب عبدالمجيد يعتمد على اللاوعي والذاكرة التي يسميها “ذاكرة النسيان”، حيث يترك الشخصيات تقود السرد بدلًا من التحكم الأيديولوجي المسبق، وهو ما يجعله يغوص في الرواية وفي التأريخ الوجداني للمكان، فـفي رواية “لا أحد ينام في الإسكندرية” تعد رواية تاريخية ملحمية تؤرخ للمدينة خلال فترة الحرب العالمية الثانية في بدايات الأربعينيات، مركزة على النسيج الاجتماعي المعقد والموزاييك الديني والعرقي في المدينة، حيث المسلمون والأقباط واليهود والأجانب، وكيف صهرتهم الحرب في بوتقة واحدة.

وأضاف أن لغة الرواية جاءت شاعرية واستقصائية، تعتمد على المراجع والتوثيق التاريخي لإحياء روح العصر وتصوير المدينة ككائن حي يعاني ويقاوم، وهو ما يكشف بوضوح أن صاحبها حكّاء ومؤرخ وجداني يستعيد “ما كان” من أجل تثبيت “هوية المكان”.

نشأة إبراهيم عبدالمجيد في الإسكندرية

وأشار شبلول إلى أن نشأة إبراهيم عبدالمجيد في الإسكندرية انعكست بوضوح على رسم الشخصيات النسائية في أعماله، حيث تتحول المرأة إلى مستودع لذاكرة المدينة وروحها، إذ تبدو "روح المكان والبهجة"، ومن هنا يمكن القول إن نشأته في الإسكندرية، بوصفها مدينة كوزموبوليتانية، جعلته يرسم نساءً يجسدن تعددية المدينة.

وتابع أن رواية “لا أحد ينام في الإسكندرية” تبرز شخصيات نسائية مثل “ديمتريا” و"جريس" و"نساء الشرفات" كجزء من النسيج الإنساني العفوي، حيث لا تُقاس قيمتهن بمواقفهن السياسية المباشرة بقدر ما تُقاس بإنسانيتهن وقدرتهن على الحفاظ على الحياة وسط دمار الحرب.

رواية لا أحد ينام في الإسكندرية

 أن إبراهيم عبدالمجيد يرى أن لغة المكان جزء من هويته، لذلك يمزج بين الفصحى في السرد والعامية في الحوار المشبعة باللكنة السكندرية وروح الشارع، ففي "لا أحد ينام في الإسكندرية" يستخدم لغة تعكس التنوع الطبقي والعرقي، فتُسمع أصوات المهمشين واليونانيين والبسطاء بلغاتهم اليومية، وهو ما يمنح النص صبغة أقرب إلى “الواقعية السحرية”.

وأوضح أن العامية في نصوصه ليست مجرد كلمات، بل "موسيقى تصويرية" تنقل القارئ إلى زمن الرواية ومكانها، فتجعل الشخصيات أكثر حيوية وواقعية، وكأنها من لحم ودم، فهي لغة “الحياة والذاكرة”.

واختتم شبلول حديثه لـ"إيجبتك": مؤكدًا أن هذا الثراء اللغوي والسردي أسهم في تحويل بعض أعمال إبراهيم عبدالمجيد إلى أعمال درامية تلفزيونية، من بينها مسلسل "لا أحد ينام في الإسكندرية"، وكذلك “عتبات البهجة”.

حسين حمودة: تجربة إبراهيم عبدالمجيد الإبداعية غنية ومتنوعة

من جانبه قال الناقد الكبير الدكتور حسين حمودة إن تجربة الروائي إبراهيم عبدالمجيد الإبداعية، والثقافية ، تجربة غنية ومتنوعة، شهدت نتاجه الغزير المتعدد، منذ روايته المبكرة “في الصيف السابع والستين” التي صدرت في نهايات سبعينيات القرن الماضي وحتى الآن، مشيرا إلى أن من بين هذه الأعمال روايات كبيرة القيمة مثل: “المسافات”، و"الصياد واليمام"، و"ليلة العشق والدم"، و"البلدة الأخرى"، و"لا أحد ينام في الإسكندرية"، و"أداجيو"، و"شهد القلعة"، و"في كل أسبوع يوم جمعة"، و"طيور العنبر"، و"الإسكندرية في غيمة"، و"الهروب من الذاكرة"، وغيرها. 

تجربة إبراهيم عبدالمجيد الإبداعية 

وأضاف حمودة في حديثه لـ"إيجبتك": أن تجربته تضم أيضا مجموعات قصصية متفردة مثل "مشاهد صغيرة حول سور كبير" و"إغلاق النوافذ" و"سفن قديمة"، فضلًا عن كتبه مثل “غواية الإسكندرية” و"الأيام الحلوة فقط" و"ما وراء الكتابة"، إلى جانب ترجماته مثل "مذكرات عبد أمريكي" و"رسائل من مصر" للكاتبة لوسي داف جوردون، التي ترجمها ترجمة كاملة.

وأوضح أن عالم إبراهيم عبدالمجيد، عبر هذه الكتابات الوافرة، ينهض على مجموعة من القيم الكبيرة، وعلى رأسها قيمة المغامرة المتحررة التي قادته للذهاب إلى أبعد ما يمكن الذهاب إليه في وجهات شتى، سواء على مستوى اكتشاف واستكشاف “العوالم الخام” التي شيد بها وعليها كتاباته، أو على مستوى “التخييل” و"التأمل" القصصي والروائي الذي يعيد تشكيل هذه العوالم ويكاد يصوغها في خلق جديد، كما يتجلى ذلك أيضًا في الطرائق والأساليب الفنية التي اعتمدها، وفي التنوع بين كتابة نصوص مفردة يمثل كل منها وحدة مستقلة بذاتها، وكتابة نصوص أخرى مترابطة وممتدة عبر أكثر من عمل واحد كما هو الحال في ثلاثيتيه الروائيتين.

المغامرة في عالم إبراهيم عبدالمجيد

وأشار إلى أن هذه المغامرة تظهر كذلك في الحركة الدائبة بين الوقوف عند مشاهد آنية راهنة أو الاغتراف من ذاكرة مشبعة بخبرات وذكريات قديمة، وفي المراوحة المستمرة بين التركيز على التجارب الفردية الخاصة من ناحية، والاهتمام بالحياة الجماعية المشتركة من ناحية أخرى، متجليا في القضايا التي جسدتها أعمال إبراهيم عبدالمجيد كلها، من خلال تناولات أدبية خالصة ومخلصة لجماليات الأدب، وإن كانت تعيد النظر في كثير من الأعراف الأدبية الشائعة، وتحرص على تقديم إضافات مهمة لها.

وتابع حمودة أنه تأسيسًا على هذه المغامرة المتصلة، تجاورت في أعمال إبراهيم عبدالمجيد معالم كثيرة لا تتجاور عادة؛ إذ حضرت الوقائع المرجعية التاريخية، المستعادة عبر الذاكرة أو المستندة إلى مصادر موثقة، إلى جانب التأملات التي لا تقف عند حدود، والانتقالات المكانية والزمنية الرحبة، والتجارب الشخصية التي قد تكون مؤلمة ومريرة وقاسية أحيانًا ومبهجة أحيانًا أخرى

وأكد أن الاحتفاء بأشكال التواصل الإنساني، الحقيقي أو المفترض، سواء كان هذا التواصل مبتورًا أو متحققًا، وفي الارتحالات التي تستكشف أعماق دوائر اجتماعية عدة في مصر، والإسكندرية خصوصًا، وفي غيرها من مجتمعات أخرى، إلى جانب المعرفة التي تنهل من ثقافات متنوعة في تضفيرها لكل هذه التجاورات.

وأوضح أن إبراهيم عبدالمجيد صاغ كتاباته خلال روح المغامرة نفسها، راهن فيها على بلورة لغة خاصة متفردة ومتجددة من نص إلى آخر، تقوم على جهد ومعاناة رغم بساطتها الظاهرية وقدرتها التوصيلية، مستندا إلى قدرة بنائية هائلة تتباين معالمها من عمل إلى آخر، واحتفى بنوع من “التجريب” الفني الخفي اللطيف الذي يتقبله المتلقي ويشارك في إنتاج دلالاته دون أن يصطدم بما يحيط بالتجريب الفني في أغلب الأحوال.

واختتم حمودة حديثه لـ"إيجبتك": مؤكدًا أن هذه الروح السردية المتدفقة تصل بيسر واضح إلى القارئ من غير مسافات أو وقفات قاطعة، فيتراءى للقارئ أنه هو صائغها وليس متلقيها فحسب، وبذلك تلوح هذه المغامرة، الماثلة في كل ما كتب إبراهيم عبدالمجيد ووراء كل ما كتب، مغامرة مألوفة ومأمونة وجميلة ومحسوبة العواقب دون افتعال أو تصنع؛ مغامرة تتجنب الأخطار التي قد تنطوي عليها المغامرات عادة، لكنها تظل محتفية بالمتعة التي تهبها كل مغامرة.

سيد محمود: إبراهيم عبدالمجيد من أبرز كتاب ما بعد الستينيات

بدروه قال الكاتب الصحفي الكبير سيد محمود إن الأديب الكبير إبراهيم عبدالمجيد يُعد من الأسماء البارزة جدًا في مجال الرواية العربية، وربما يكون من أبرز كتاب الجيل الذي جاء بعد الستينيات، وإن كان أقرب في إنجازه الإبداعي إلى جيل السبعينيات.

إبراهيم عبدالمجيد وكتاباته الأدبية

وأضاف  في تصريحات خاصة لــ"إيجبتك" أن وجود إبراهيم عبدالمجيد ضمن جيل السبعينيات ساعد بشكل أساسي في أن تكون كتاباته الأدبية بمثابة نقاش عميق لواقع ما بعد هزيمة عام 1967، مشيرًا إلى أن العمل الذي قدمه في “الصيف السابع والستين” كان بمثابة عتبة انتقال جديدة، قبل أن تأتي أحداث ما بعد سنوات الانفتاح والتغيرات التي شهدتها مصر لتلقي بظلال واضحة على كتاباته.

وأوضح أن تلك التحولات انعكست على مسار تجربته، حيث شهدت أعماله انتقالًا من منحى فلسفي وجودي متأثر بدراسته للفلسفة والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع في جامعة الإسكندرية، إذ كانت لديه في البدايات أسئلة وجودية منسجمة في الوقت نفسه مع موجات الكتابة التي ظهرت في النصف الثاني من الستينيات، خاصة الكتابات التي رصدت العبث والتحولات، والتأثر بكتابات فرانتس كافكا، وكذلك أعمال أوجين يونسكو في المسرح.

الأسئلة الفلسفية والوجودية في أعمال إبراهيم عبدالمجيد 

وأشار إلى أنه في السبعينيات انتقل هذا التحول من الأسئلة الفلسفية والوجودية المتعلقة بالذات إلى أسئلة تتعلق بالجماعة والتحولات التي شهدها المجتمع المصري في أعقاب الانفتاح، لذلك سيطر على كتاباته معالجة لموضوع الهجرة، خاصة هجرة المصريين إلى الخليج، وانعكاس التغيرات التي جاءت مع الانفتاح.

وتابع أن هذا المسار جعل كتاباته تميل إلى الواقعية إلى حد كبير، مع الحفاظ على مواءمة واضحة بين السؤال الذاتي وأسئلة الجماعة، كما ظهر في رواية “المسافات”، بأنها عمل جميل يتسم بحس إنساني لافت للنظر، مشيرا إلى أن الطفرة الكبرى في مسيرة إبراهيم عبدالمجيد جاءت مع رواية “البلدة الأخرى”، التي كرست بالكامل لموضوع الآثار التي تتركها تجربة الهجرة على نفوس من يخوضونها، مؤكدًا أن افتتاحية الرواية تُعد من أجمل افتتاحيات الأدب العربي.

تأريخ مصر في روايات إبراهيم عبدالمحيد 

وأضاف أن الطفرة الأكبر جاءت مع روايته “لا أحد ينام في الإسكندرية”، التي عززت فكرة المجتمع التعددي الذي كان موجودًا في الإسكندرية خلال فترة الحرب العالمية الثانية وما قبلها، ثم جاء التحول مع كتابة السداسية الطويلة “العنبر” و"الإسكندرية في غيمة"، التي قدمت تأريخًا للتحولات التي مرت بها مصر من خلال عمل روائي ملحمي، جمع بين القيمة الفنية والانتشار الجماهيري، وهي معادلة مهمة للغاية.

وأوضح أن اهتمامات إبراهيم عبدالمجيد وصلت لاحقًا إلى التحولات القاسية التي كان يمر بها المجتمع، كما في “قطط العام الفائت” و"في كل أسبوع يوم جمعة"، وهي رواية تقاطعت مع الانشغال بمواقع التواصل الاجتماعي وتأثيرات ما يُعرف بديمقراطية الوسائط أو انتشار الوسائط التكنولوجية الجديدة.

 الفانتازيا في رواية إبراهيم عبدالمجيد

وأشار إلى أنه لا يزال يواصل تجربته الروائية من خلال أعمال مثل “الكافرة” وروايته الخاصة بالقاهرة، حيث مال أكثر إلى الروايات التي تتضمن قدرًا من الفانتازيا والأسئلة المرتبطة بالعالم الغرائبي، ربما كنوع من النجاة من الواقع أو مشاغبته، كما حدث في رواية “حامل الصحف القديمة”، التي صدرت قبل عامين وتعالج موضوع الثورة واشتباكها مع الشأن العام، مؤكدا أنها أن من أبرز مميزات إبراهيم عبدالمجيد أنه ليس منقطعًا عن الشأن العام، بل يظل حاضرًا فيه ومشتبكًا مع قضاياه.

واختتم سيد محمود حديثه لـ"إيجبتك": قائلًا إن بلوغ إبراهيم عبدالمجيد الثمانين يمثل مناسبة مهمة، خاصة أنه وصل الآن إلى مرحلة التكريس بعد أن حصد جوائز كبيرة، إلى جانب سمة جميلة يتمتع بها تتمثل في دعمه للكتاب الجدد من أجيال مختلفة، حيث يحرص دائمًا على التواصل معهم والكتابة عن أعمالهم بغزارة مدهشة، مؤمنًا بتدفق الأجيال ورافضًا فكرة احتكار جيل واحد للمنصة أو إقصاء الأجيال الجديدة، وهي ميزة مهمة في شخصيته، متمنيًا له دوام الصحة وطول العمر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء