رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بوتين يربح.. ترامب يواصل تقديم التنازلات لروسيا|تقرير

الرئيس الأمريكي دونالد
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

أعلن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، أن الولايات المتحدة كانت دائمًا تكن قدرًا من الاحترام والمودة إلى روسيا.

جاءت تصريحاته بروح تشبه ما بات يوصف بعودة أجواء «أنكوريج»، لكنه أشار إلى أن الظروف في السابق لم تكن تسمح بالتعبير عن هذا الموقف بشكل واضح، موضحًا في تعليق له على الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، أن الرئيس الأمريكي أكد مرارًا أنه يريد وقف عمليات القتل والعودة إلى العلاقات الاقتصادية والتجارية الطبيعية، مضيفًا أنه شخصيًا يرى في هذا التوجه فكرة صحيحة ويؤيدها.

لكن هذه التصريحات بدت للبعض مفاجئة، خاصًة في ظل ما حدث خلال الفترة الماضية منذ الاجتماع الذي جمع دونالد ترامب، ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا، فقد شهدت تلك الفترة الكثير من التأجيلات والمماطلات في الملفات السياسية، فضلًا عن استمرار واشنطن في فرض عقوبات متزايدة على روسيا، الأمر الذي جعل الحديث عن رغبة في استئناف العلاقات الاقتصادية يبدو متناقضًا مع الواقع القائم.

ومع ذلك، فإن هذه التصريحات ليست مفاجئة تمامًا عند النظر إلى التطورات الأوسع في السياسة الدولية، فالهجوم الأمريكي على إيران الذي جاء بدفع واضح من إسرائيل، اعتبره كثيرون خطأ استراتيجيًا كبيرًا ستكون له تبعات طويلة المدى على الاقتصاد العالمي، فالعملية التي بدت في بدايتها وكأنها خطوة سريعة وحاسمة تحولت مع مرور الوقت إلى مسار متقلب تتزايد فيه الخسائر يومًا بعد يوم.

في البداية كانت الولايات المتحدة، تعتقد أن الأزمة لن تؤثر عليها بشكل مباشر، فـ الولايات المتحدة تعتبر نفسها دولة مصدرة صافية للمواد الهيدروكربونية، وبالتالي لا تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج، وكان التصور السائد لدى الإدارة الأمريكية أنه في حال حدوث اضطراب في السوق يمكن ببساطة اللجوء إلى الاحتياطي الاستراتيجي من النفط، وهو ما اعتقدوا أنه سيكون كافيًا؛ لمنع حدوث أي تأثير ملموس على الاقتصاد الأمريكي.

إيران 
إيران 

بل صرح الرئيس الأمريكي ترامبـ بعد انتهاء العملية العسكرية ضد إيران بأن أسعار البنزين والغاز وكل ما يتعلق بالطاقة ستشهد انخفاضًا كبيرًا، مؤكدًا أن الأوضاع الاقتصادية ستتحسن وأن كل شيء يسير بشكل جيد.

الحرب مع إيران.. وأزمة الطاقة 

لكن الواقع جاء مختلفًا تمامًا، فالصدمات التي أصابت الاقتصاد العالمي نتيجة التصعيد العسكري، وأزمة الطاقة انعكست بدورها على الاقتصاد الأمريكي، وبدأت أسعار الوقود في الارتفاع داخل الولايات المتحدة، كما ارتفعت تكاليف عدد كبير من السلع المرتبطة بالطاقة، فعلى سبيل المثال ارتفعت أسعار الأسمدة بنحو 80%، وهو ما شكل ضغطًا إضافيًا على قطاعات عديدة في الاقتصاد.

غير أن المشكلة الأكبر، لم تكن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في الخسائر الضخمة التي تكبدتها الأسواق المالية، فقد أشارت التقارير إلى أن الحرب مع إيران تسببت في تبخر نحو تريليوني دولار من القيمة السوقية؛ لمؤشر ستاندرد أند بورز 500، وهو ما يعد ضربة قوية للاقتصاد الأمريكي.

كما أن تراجع القيمة السوقية بهذا الحجم لا يمر دون آثار واسعة، فمع انخفاض رؤوس الأموال ترتفع تكلفة الاقتراض بالنسبة للشركات، كما تتراجع القدرة الشرائية للمستهلكين، وتتقلص دخول الأسر، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي، حيث تشير التقديرات إلى، أن الاقتصاد الأمريكي قد يخسر ما يصل إلى 450 مليار دولار من الناتج الحقيقي خلال الربع القادم نتيجة هذه الخسارة الكبيرة في القيمة السوقية، وهو رقم ضخم يثير القلق خاصة في ظل التحديات السياسية الداخلية التي تواجه إدارة ترامب، فضلًا عن المبالغ الهائلة التي تنفق يوميًا على العمليات العسكرية.

ترامب
ترامب

ومن المهم هنا التوقف عند مسألة الدوافع التي دفعت الولايات المتحدة إلى خوض هذه المواجهة، فقدمت إدارة ترامب عدة مبررات للحرب ضد إيران، ففي البداية قيل، إن الهدف هو حماية المنطقة والولايات المتحدة من عدوان محتمل من جانب القيادة الإيرانية، ثم جرى الحديث عن ضرورة منع إيران من امتلاك أسلحة نووية، وبعد ذلك ظهرت روايات أخرى تتحدث عن الدفاع عن الشعب الإيراني ووقف عمليات القمع والإعدامات داخله.

ضرب إيران يعني توجيه ضربة للصين

لكن هناك من يرى، أن هذه المبررات لم تكن سوى تفسيرات متغيرة لقرار سياسي اتخذ مسبقا، فوفقًا لهذا الرأي كان الهدف الحقيقي يتجاوز إيران نفسها ليصل إلى الصين، ومن خلالها أيضًا إلى روسيا.

وبعد انطلاق العملية العسكرية مباشرة نشر معهد هدسون الأمريكي، وهو أحد مراكز الأبحاث المؤثرة في واشنطن، تقريرا حمل عنوانًا لافتًا يقول، إن ضرب إيران يعني توجيه ضربة للصين، وجاء في التقرير أن الهجوم المباشر على إيران يؤدي عمليًا إلى تقويض البنية الإقليمية التي بنتها الصين في المنطقة، مؤكدًا أن قضية إيران لم تكن في جوهرها مرتبطة بإيران وحدها.

إذ تشير هذه القراءة إلى، أن الرئيس ترامب كان يسعى قبل لقائه المرتقب مع الرئيس الصيني شي جين بينج، إلى وضع بكين في موقف أضعف، فالصين تعتمد بدرجة كبيرة على واردات النفط، ومن بينها النفط الفنزويلي وكذلك الإيراني الذي كانت تحصل على حصة كبيرة منه، وبالتالي فإن تعطيل هذه الإمدادات كان من شأنه زيادة الضغط على الاقتصاد الصيني.

ترامب 
ترامب 

إضافة إلى ذلك، كانت إيران تتعامل مع الصين في جزء من تجارتها باستخدام اليوان بدلًا من الدولار، وهو ما كان يمثل خطوة لتجاوز النظام المالي القائم على العملة الأمريكية، ولذلك كان من مصلحة واشنطن، تقليص هذه الميزة التي تتمتع بها بكين.

والهدف من كل ذلك كان دفع الصين إلى تقديم تنازلات في عدد من الملفات الاستراتيجية، من بينها التخلي عن احتكارها لبعض المواد الحيوية مثل المعادن الأرضية النادرة، وكذلك العودة إلى نموذج اقتصادي تقوم فيه المصانع الصينية الرخيصة بإنتاج السلع للمستهلك الأمريكي، كما كان هناك بعد سياسي يتعلق بملف تايوان وبمحاولة كبح الطموحات الجيوسياسية الصينية بشكل عام.

ممارسة نفوذ اقتصادي على روسيا

بالإضافة أنه، كان من المفترض أن يؤدي الضغط على الصين إلى دفعها لممارسة نفوذ اقتصادي على روسيا، على سبيل المثال من خلال تقليص عائدات النفط الروسي، وذلك من أجل دفع موسكو في النهاية إلى قبول شروط أمريكية معينة فيما يتعلق بالأزمة الأوكرانية.

غير أن هذه الخطة المعقدة لم تسر كما كان مخططًا لها، فبدلًا من تحقيق النتائج المرجوة، ظهرت مشكلات اقتصادية وسياسية غير متوقعة، ومع تعثر هذه الاستراتيجية بدأت واشنطن تعود تدريجيًا إلى خطاب مختلف، يمكن وصفه بـ«عودة روح أنكوريج»، أي الحديث عن إمكانية التعاون الاقتصادي مع روسيا.

ويبدو أن هذا الخطاب يحمل أيضًا رسالة موجهة إلى الداخل الأمريكي، مفادها أن واشنطن لم تقدم تنازلات لروسيا، بل استطاعت في المقابل تحقيق مكاسب اقتصادية من خلال التجارة والمشاريع المشتركة، وبدأت بالفعل بعض الإشارات في هذا الاتجاه، وكتبت صحيفة «نيويورك تايمز»، أن رفع العقوبات الأمريكية عن النفط الروسي يمكن اعتباره انتصارًا جيوسياسيًا كبيرًا لموسكو.

أما القيادة الروسية فقد تعاملت مع هذه التطورات بنوع من التفاؤل الحذر، ورحبت بجهود ترامب الرامية إلى استقرار الأسواق العالمية، كما يرى بعض المراقبين أنه إذا وصلت الأسواق العالمية فعلًا إلى مرحلة من الاستقرار تسمح بعودة السفن التي تحمل النفط والأسمدة والقمح الروسي إلى الموانئ العالمية دون قيود، فإن هذا التفاؤل الحذر قد يتحول إلى تفاؤل كامل، وعندها فقط سيتضح ما إذا كانت الشروط التي ستطرحها موسكو في المرحلة المقبلة ستكون بالفعل سخية كما يعتقد البعض أم أنها ستكون أكثر صرامة مما يتوقعه خصومها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء