رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

 

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يطالب فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة العمل على تطوير منظومة التعليم العالي في مصر لتتناسب مخرجاته مع احتياجات سوق العمل الحقيقية سواء المحلي أو العربي أو العالمي، وتأكيده دائمًا طوال السنوات الأخيرة على ضرورة العمل على الارتقاء بجودة التعليم العالي ودورها في تنمية مهارات وجدارات خريجي الجامعات بكافة تخصصاتها ومساراتها؛ لتنافس في أسواق العمل المحلية والإقليمية والدولية وبما يواكب التغيرات المتلاحقة والسريعة التي يشهدها سوق العمل.

بل إن الرئيس السيسي كررها مرارًا وتكرارًا، وضرب أكثر من مرة بأمثلة الأعداد الضخمة التي تلتحق وتتخرج من الكليات النظرية وأصبحت تمثل حاليًا بطالة كبيرة في المجتمع، خاصة إذا علمنا ـ وطبقًا لدراسة رسمية بوزارة التعليم العالي تؤكد أن ما يقرب من 82% من إجمالي طلاب الثانوية العامة يلتحقون حاليًا بالكليات الإنسانية، حتى ولو كانوا من خريجي شعبة علمي علوم أو شعبة الرياضيات في الثانوية العامة، بعد أن يفشل كثير من طلاب شعبة علمي علوم على سبيل المثال من الالتحاق بأي من الكليات الطبية فيتجه معظمهم إلى الالتحاق بالكليات النظرية.

وكذلك طلاب شعبة الرياضيات إذا لم يتمكنوا من الالتحاق بكليات الهندسة، وقبلهم بالطبع يوجد في هذه الكليات الإنسانية أو النظرية طلاب القسم الأدبي، لدرجة أن هذه الكليات تكدست بأعداد ضخمة من الطلاب وصل عددها في كلية التجارة جامعة عين شمس وحدها على سبيل المثال إلى 72 ألف طالب وطالبة، وهو رقم لا يوجد في أي كلية في العالم، وفي تجارة القاهرة 66 ألف طالب وطالبة، مما أصبح من الضروري إعادة النظر في توزيع الطلاب بجميع الكليات الجامعية بما يتفق والتخصصات التطبيقية والحديثة والمستحدثة التي يحتاجها سوق العمل سواء في الداخل أو سوق العمل العربي أو العالمي، لكن سيكون السؤال الأهم هو: كيف؟

وبناءً على التوجيه الرئاسي الذي تلقاه د. عبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالي فور توليه مسؤولية وزارة التعليم العالي، عقد المجلس الأعلى للجامعات برئاسته اجتماعًا طارئًا لمناقشة آليات تنفيذ التوجيهات الرئاسية بشأن ربط البرامج الدراسية باحتياجات سوق العمل وإعداد دراسة شاملة لخريطته سواء على المستوى المحلي والإقليمي والدولي بالتعاون مع مختلف الجهات المعنية، ووضع الآليات التنفيذية لسرعة الانتهاء من كافة الدراسات المطلوبة خلال ثلاثة أشهر على الأكثر.

وبناء على ذلك وافق المجلس الأعلى للجامعات على تشكيل لجنة عليا برئاسة د. السيد عبد الخالق وزير التعليم العالي والبحث العلمي الأسبق، وعضوية كل من د. رشدي زهران رئيس جامعة الإسكندرية الأسبق كمقرر، ود. عادل زايد نائب رئيس جامعة القاهرة لشؤون الطلاب ومحافظ القليوبية، ود. ماجد نجم رئيس جامعة حلوان الأسبق، ود. السيد دعدور رئيس جامعة دمياط السابق، ومعهم بصفتهم كل من أمين المجلس الأعلى للجامعات الحكومية، وأمين المجلس الأعلى للجامعات الأهلية، وأمين المجلس الأعلى للجامعات الخاصة.

وطبقًا لبيان المجلس الأعلى للجامعات ستقوم هذه اللجنة بمراجعة البرامج والتخصصات الدراسية القائمة، وتقييم مدى توافقها مع احتياجات سوق العمل محليًا وإقليميًا ودوليًا، وتحليل مؤشرات توظيف خريجي الجامعات وتحديد الفجوات بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، واقتراح تطوير وتحديث اللوائح والبرامج الدراسية بما يتواكب مع التطورات التكنولوجية والاقتصادية، ودراسة استحداث برامج وتخصصات جديدة خاصة في المجالات البينية والتكنولوجية المتقدمة، واقتراح إعادة هيكلة أو دمج البرامج والتخصصات التي لم تعد تلبي احتياجات سوق العمل، وتعزيز الشراكات بين الجامعات وقطاعات الأعمال في كافة المجالات.

وضع خطط قصيرة ومتوسطة الأجل لتدريب الطلاب المنتظمين حاليًا في هذه البرامج لربطها بسوق العمل.

إلا أنه فور تشكيل هذه اللجنة بهذه الصورة فوجئت بكثير من الآراء المتشائمة بأنه قد يتعذر عليها بهذا التشكيل أن تحقق وحدها ما يصبو إليه الرئيس عبد الفتاح السيسي ـ ونحن معه ـ من الارتقاء بمنظومة التعليم الجامعي واستحداث تخصصات جديدة تتفق واحتياجات سوق العمل وإعادة توزيع الطلاب بالجامعات على كلياتها المختلفة طبقًا لحاجة السوق، وأن يتم ذلك خلال ثلاثة أشهر من الآن.

ويرى هؤلاء أنه لا بد أن يتم دراسة هذه القضية بشكل أعمق وأكبر، وأن يحدث فيها حوار مجتمعي على أعلى مستوى، وأن نشرك في هذا الحوار كل النقابات المهنية الملمة بكل التخصصات الحالية والمستقبلية ومدى حاجة المجتمع لها، وكذلك لجان القطاع بالمجلس الأعلى للجامعات، ومعهم وزارة القوى العاملة، خاصة وأنه لا يوجد دراسة واحدة في مصر الآن تحدد مدى احتياجاتنا من التخصصات المختلفة خلال العشر سنوات القادمة على سبيل المثال، والتي على أساسها سنحدد عدد المقبولين بكل كلية سواء كانت نظرية أو عملية. كما يجب أن نطلع على التجارب العالمية في هذا الشأن والتخصصات التي تم استحداثها مؤخرًا في معظم جامعات العالم المتقدم.

ويتساءل الكثيرون: من أين سيعلم أعضاء هذه اللجنة الاحتياجات الحقيقية لسوق العمل دون دراسة حقيقية لسوق العمل نفسه حاليًا سواء المحلي أو العربي أو الخارجي؟ وكيف سيتم ذلك دون أن يكون هناك حوار وطني مع أصحاب الأعمال، وأن تكون هناك دراسة حقيقية علمية لوظائف المستقبل؟ لأننا لو تركنا الأمر للجان داخل جامعاتنا فقط لحسم هذه القضية فإن كل جامعة ستدعي أنها تقدم حاليًا أفضل برامج في العالم، وأن كل خريجيها في سوق العمل حفاظًا على مكتسباتهم، وسوف نواجه مقاومة كبيرة في عملية التغيير.

ويتساءل آخرون أيضًا: هل هذه اللجنة الموقرة سيكون عندها استعداد أن تغلق كليات التجارة والحقوق والآداب على سبيل المثال لمدة 5 سنوات لأن سوق العمل به فائض ضخم من خريجي هذه الكليات؟ وإلى أي كليات أخرى سيتم توجيههم إليها، وكيف؟

طبعًا القرار سيكون صعبًا لأن الناجحين في الثانوية العامة بأعدادها الحالية، والذي سيصل هذا العام إلى حوالي 900 ألف طالب وطالبة، سيحتاجون إلى أماكن لتسكينهم فيها، كما أن معظمهم ليسوا مؤهلين للالتحاق بالكليات العملية التطبيقية، كما أن هذه الكليات العملية حاليًا ليست قادرة على استيعاب أعداد أكبر مما تستوعبه الآن، خاصة مع قلة أعضاء هيئة التدريس بها، خاصة بكليات مثل كليات الحاسبات والذكاء الاصطناعي على سبيل المثال.

ولهذا فإن الحل الأمثل من وجهة نظري، ولكي ننجح في تعديل مسار النهوض بالتعليم الجامعي، يجب أن نبدأ بالمرحلة الثانوية، وأن يتم تقليص الأعداد الموجهة إلى تخصص القسم الأدبي، وأن يكون هناك إرشاد أكاديمي للطلاب لكي يتجهوا إلى التخصصات التطبيقية، والأمل في ذلك سيكون في المسارات الجديدة في شهادة البكالوريا المستحدثة حاليًا، مع تشجيع التوجه إلى التعليم الفني الصناعي والزراعي والحرفي.

وأنا من جانبي أدعو الله أن يعين هذه اللجنة على هذه المهمة القومية الهامة والصعبة. ومن الطبيعي أنها ستبدأ بوضع إطار زمني لمهامها يبدأ بدراسة سوق العمل، وهي مهمة ليست بالسهلة حيث تتطلب دراسة سوق العمل في التخصصات المختلفة، وبعد تحديد احتياجات سوق العمل يتم وضع هياكل استرشادية للبرامج المختلفة يستعان فيها بلجان تخطيط القطاعات المختلفة، وأن تراجع هذه اللجنة جميع البرامج بالكليات التابعة لكل قطاع لتحديد مدى تمشيها مع البرامج الاسترشادية، وأن تطلب من كل كلية إعادة النظر في برامجها وتعديلها بما يتوافق مع متطلبات سوق العمل.

كما يجب ألا يقتصر ذلك على مسميات المقررات بل يمتد إلى توصيف كل مقرر بحيث يحقق الأهداف التعليمية للبرنامج. أعلم أن هذا الأمر ليس سهلًا، ولكنه يحتاج إرادة قوية وعملًا جادًا وفقًا لأسس علمية، وأنا على يقين من أن اللجنة الموقرة تتوافر لديها المقومات اللازمة لإنجاح هذه المهمة.

أعاننا الله جميعًا لتحقيق الخير لبلدنا الحبيب.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء