مع زيادات مرتقبة.. رواتب أساتذة الجامعات «أرقام أتلفها التضخم»|خاص
لم تعد قضية رواتب أعضاء هيئة التدريس في الجامعات المصرية مجرد "مطالب فئوية" عابرة، بل تحولت في ظل الظروف الاقتصادية، إلى صرخة استغاثة جماعية تحذر من انهيار الضلع الأهم في منظومة التعليم العالي، ومع تواتر الأنباء عن زيادات مرتقبة لقطاعات وظيفية متنوعة وتجاهل "كادر" الجامعات، سادت حالة من الغضب والقلق العارم داخل الحرم الجامعي، لتكشف عن واقع مرير يعيشه الأستاذ الجامعي بين قوانين "محنطة" تعود لما قبل نصف قرن، وتضخم التهم القوة الشرائية للدخول.
زيادات مرتقبة لبعض الفئات
وقال الدكتور محمد كمال، أستاذ الأخلاق بجامعة القاهرة، إن قضية رواتب أعضاء هيئة التدريس في الجامعات المصرية أصبحت محل نقاش واسع داخل الأوساط الأكاديمية، خصوصًا مع الحديث عن زيادات مرتقبة لبعض الفئات دون وضوح بشأن شمول أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة بهذه الزيادات.
وأوضح كمال، أن هناك حالة من القلق بين أساتذة الجامعات بسبب ما يتردد عن تمييز بعض الفئات في زيادات المرتبات، في حين لم يتم التطرق بوضوح إلى أعضاء هيئة التدريس، مشيرًا إلى أن هذا الأمر يثير تساؤلات حول تحقيق العدالة الوظيفية بين القطاعات المختلفة.
تداعيات خطيرة وكارثية
وأشار" كمال"، في تصريحات خاصة لـ«إيجبتك»، إلي أن تدني رواتب أعضاء هيئة التدريس في الجامعات المصرية يُعد من أبرز التحديات الجوهرية التي تواجه منظومة التعليم العالي والبحث العلمي، مؤكدًا أن استمرار الوضع الحالي ستكون له تداعيات خطيرة وكارثية على جودة العملية التعليمية والقدرة التنافسية للجامعات المصرية.
وأوضح، أن منظومة الأجور ما زالت تعتمد على البدلات والحوافز القديمة التي لم تشهد أي تعديل منذ صدور قانون تنظيم الجامعات عام 1972، دون مراعاة لتغيرات القوة الشرائية أو الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة، مشيرًا إلى أن راتب الأستاذ الجامعي، وهو أعلى درجة أكاديمية في الجامعة، أصبح في بعض الأحيان أقل من رواتب العمال في قطاعات أخرى.
الموازنة العامة للدولة
وأضاف أن من أهم أسباب المشكلة اعتماد الجامعات على الموازنة العامة للدولة التي تخصص جزءًا محدودًا لرواتب أعضاء هيئة التدريس، إلى جانب تآكل القوة الشرائية وضعف الموارد الذاتية للجامعات، وهو ما انعكس على أوضاع الأساتذة ودفع العديد من أوائل الخريجين إلى العزوف عن التعيين في الجامعات، فيما هاجر عدد كبير من الكفاءات إلى جامعات عربية ودولية، خصوصًا في دول الخليج، بحثًا عن فرص أفضل.

وأشار إلى أن هذا النزيف المستمر للكفاءات الأكاديمية يضعف البنية العلمية للجامعات المصرية ويؤثر سلبًا على جودة التعليم والبحث العلمي، داعيًا إلى إعادة النظر في نظام الأجور واعتبار تمويل أعضاء هيئة التدريس استثمارًا استراتيجيًا في تنمية الدولة، وليس مجرد بند إنفاقي في الموازنة.
زيادة مخصصات الدولة لرواتب أعضاء هيئة التدريس
واقترح أستاذ جامعة القاهرة عدة حلول، من بينها زيادة مخصصات الدولة لرواتب أعضاء هيئة التدريس، وربط الدخل بالإنتاج البحثي عبر تطوير منظومة المكافآت والحوافز، مما يشجع على التميز العلمي ويرفع من مستوى الأداء. كما دعا إلى منح الجامعات استقلالية مالية أكبر لتنمية مواردها الذاتية من خلال المشروعات البحثية والاستشارية والشراكات الدولية، وتخصيص نسبة واضحة من هذه الموارد لتحسين رواتب أعضاء هيئة التدريس.
كادر خاص عادل لأعضاء هيئة التدريس
وشدد كمال على ضرورة تفعيل كادر خاص عادل لأعضاء هيئة التدريس، وإجراء تعديل جذري لقانون تنظيم الجامعات بما يضمن سلم رواتب يتناسب مع الواقع المعيشي والخبرات الأكاديمية، مع توزيع أكثر إنصافًا لإيرادات البرامج المميزة بحيث يستفيد منها جميع أعضاء هيئة التدريس، وليس فقط القائمين على تدريسها، لتجنب مظاهر التحيز والمصالح الخاصة داخل الجامعات.
صورة ذهنية غير دقيقة
وأضاف أن فئة ليست قليلة من أعضاء هيئة التدريس تعتمد بشكل أساسي على الراتب الشهري، ولا تمتلك مصادر دخل إضافية، مثل العيادات الخاصة أو المكاتب المهنية، وهو ما يجعل أي تغيير في الرواتب قضية تمس الاستقرار المعيشي لهم بشكل مباشر.
وأشار إلى أن الصورة الذهنية لدى البعض قد تكون غير دقيقة، حيث يعتقد كثيرون أن أستاذ الجامعة يحصل على دخل مرتفع، بينما الواقع بالنسبة لقطاع كبير منهم مختلف تمامًا، مؤكدًا أن بعض الرواتب قد لا تكفي حتى منتصف الشهر في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
وأكد أن المطالبة بتحسين أوضاع أعضاء هيئة التدريس لا تعني الاعتراض على حصول فئات أخرى على زيادات، بل تأتي في إطار تحقيق قدر من العدالة والتوازن بين مختلف القطاعات.
جداول المرتبات الواردة في قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972
بينما يرى الدكتور وائل كامل عضو هيئة تدريس بجامعة العاصمة ، ان من يريد أن يفهم أزمة رواتب أساتذة الجامعات في مصر لا يحتاج إلى تحليل اقتصادي معقد، بل يكفيه أن ينظر إلى هذه الجداول وُضعت في زمن كان فيه جرام الذهب عيار 21 يقارب جنيهًا ونصف تقريبًا، وكان الدولار أقل من جنيه. ومع ذلك ظل هذا الهيكل هو الأساس الذي بُني عليه نظام رواتب أعضاء هيئة التدريس حتى اليوم.
ثم جاء تعديل في الثمانينيات حدد العلاوة الدورية السنوية للأستاذ الجامعي 75 جنيهًا فقط، وللأستاذ المساعد 72 جنيهًا. أي أن الفرق بين الدرجتين العلميتين بعد سنوات طويلة من البحث والترقي أصبح ثلاثة جنيهات سنويًا. ثلاثة جنيهات فقط. هذا هو الفارق الذي يقره القانون بين أستاذ وأستاذ مساعد في العلاوة الدورية، وهي قيمة لم تعد اليوم تشتري حتى حزمة بقدونس.
أما آخر تعديل مهم فقد جاء في قانون 84 لسنة 2012، لكنه لم يعالج أصل المشكلة، بل اقتصر على زيادة بدل الجامعة فقط، وتم تعديله تحت ضغط من المجتمع الحامعي ووعود بوحود ثلاثة مراحل اخرى من الزيادات التالية وكان منها زيادة بدل الريادة وقتها ولكن كافة تلك الوعود ذهبت مع الرياح. أي أن الحل بعد أربعين عامًا من التضخم لم يكن إعادة بناء هيكل الرواتب، بل مجرد إضافة بدل جديد فوق نظام قديم.
وأكد انه بسبب ضعف الراتب الأساسي تحول راتب الأستاذ الجامعي إلى تركيبة غريبة لا تكاد توجد في أي نظام أجور مستقر، حيث أصبح نحو 20٪ فقط من الدخل راتبًا أساسيًا، بينما تمثل المتغيرات والبدلات نحو 80٪ من إجمالي الدخل. ومن أشهر هذه المتغيرات ما يسمى حافز الجودة الذي تضخم مع السنوات حتى أصبح في كثير من الحالات يمثل ربع الراتب أو أكثر، فقط لأن الراتب الأساسي نفسه ضعيف للغاية.

لكن حتى هذه الزيادات المحدودة لم تعد مضمونة. ففي العام المالي الماضي تدخلت الدولة ولم تتم زيادة حافز الجودة كما كان يحدث في سنوات سابقة، وتم الاكتفاء بالعلاوة الدورية العادية التي يحصل عليها جميع موظفي الجهاز الإداري للدولة. أي أن الأستاذ الجامعي الذي يعتمد جزء كبير من دخله على هذا الحافز وجد نفسه أمام تجميد فعلي لدخله في وقت تتضاعف فيه الأسعار بصورة غير مسبوقة.
ثم جاءت مشكلة أخرى عندما صدر قانون الموازنة عام 2015 وربط المتغيرات بنسبة ثابتة من الراتب الأساسي، بحيث لا تؤثر زيادة الأساسي السنوية على باقي مكونات الراتب. أي أن الأستاذ الجامعي يحصل على زيادة شكلية في الأساسي، لكن أثرها الحقيقي على إجمالي الدخل يكاد يكون محدودًا.
اللجوء إلى القضاء
ولهذا لجأ كثير من الأساتذة إلى القضاء وحصلوا بالفعل على أحكام نهائية تقضي بإضافة ثلاث علاوات إلى الراتب الأساسي خلال فترة محددة. لكن المفارقة أن كل هذه القضايا والمعارك القضائية انتهت عمليًا إلى فارق زمني محدود للغاية، لأن حساب المتغيرات لم يتم على أساس الراتب الأساسي الحالي، بل على أساس أساسي مايو 2017 فقط. أي أن الأثر الفعلي للأحكام لا يتجاوز عامين تقريبًا من الفارق في العلاوات الثلاث.
والأغرب من ذلك أن نظام الحساب أصبح شديد التناقض. فالمتغيرات بالنسبة لمن حصل على حكم قضائي ظلت ثابتة على أساسي 2017، بينما بقيت بالنسبة لمن لم يحصل على حكم قضائي ثابتة على أساسي 2015. لكن في المقابل، عندما يتم حساب أي استقطاعات أو خصومات مالية يتم احتسابها على إجمالي الأجر الفعلي في هذا العام، بينما عندما تأتي أي زيادات جديدة يتم التعامل معها كمبالغ مقطوعة لا ترتبط بتحديث هذا الأساس. أي أن الحسابات تتحرك في اتجاه واحد فقط: الخصومات تُحسب على الأجر الحالي، أما الزيادات فتظل مرتبطة بأساس قديم.
المفارقة الأكبر أن اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات
المفارقة الأكبر أن اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات في المواد من 100 إلى 103، حيث يرى الدكتور وائل انها تضع قيودًا واسعة على عمل عضو هيئة التدريس خارج الجامعة، فتمنعه من العمل التجاري أو ممارسة الأنشطة الاستثمارية أو إعطاء دروس خصوصية أو العمل خارج الجامعة إلا بعد الحصول على موافقات وإجراءات معقدة. أي أن الأستاذ الجامعي يجد نفسه أمام معادلة غريبة: راتب محدود، وفي الوقت نفسه قيود قانونية تمنعه من تعويض هذا الدخل بعمل إضافي.
معاش الأستاذ الجامعي
لكن المأساة الحقيقية تظهر بعد التقاعد. فبسبب أن الجزء الأكبر من الراتب عبارة عن بدلات ومتغيرات لا تدخل في حساب المعاش، يصبح معاش الأستاذ الجامعي بعد عشرات السنين من التدريس والبحث العلمي بضعة آلاف من الجنيهات، قد لا تتجاوز ثلاثة أو أربعة آلاف جنيه في كثير من الحالات. وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف يعيش أستاذ جامعة أفنى عمره في خدمة العلم بهذا المبلغ؟ هل يدفع به الإيجار أم الكهرباء والمياه أم الأدوية والعلاج أم احتياجات المعيشة اليومية؟
وهل ننتظر أن نرى أساتذة جامعات أنهكهم المرض ولم يعودوا قادرين على العمل يمدون أيديهم لأن معاشهم لا يكفي للعيش الكريم؟ أم نطلب من بعضهم أن يستمر في التدريس رغم المرض والشيخوخة فقط لأن التقاعد يعني الوقوع في ضائقة مالية؟
اشكالية الكادر الخاص
وهنا تظهر مفارقة أخرى تتعلق بما يسمى الكادر الخاص. فمصطلح الكادر الخاص يطلق عادة على الوظائف التي ينظم جدول رواتبها قانون خاص أو لائحة تنفيذية مستقلة. وهناك قطاعات عديدة في الدولة تتبع كوادر خاصة وتم تعديل جداول رواتبها مرات عديدة عبر السنوات السابقة لمواكبة التضخم وتغير الظروف الاقتصادية. أما أعضاء هيئة التدريس في الجامعات، ورغم أنهم كادر خاص، فقد ظل هذا الجدول قائمًا في جوهره منذ عام 1972 مع تعديلات طفيفة للغاية لا تتناسب مع التحولات الاقتصادية الهائلة التي حدثت منذ ذلك الوقت.
إن استمرار هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى إفقار الأستاذ الجامعي، بل يؤدي أيضًا إلى نتائج أخطر، مثل هجرة الكفاءات العلمية إلى الخارج أو اضطرار بعض الأساتذة إلى العمل خارج تخصصهم أو ضعف القدرة على التفرغ للبحث العلمي.
جدول رواتب يعود في جذوره إلى سبعينيات القرن الماضي
الحقيقة المؤلمة أن أستاذ الجامعة في مصر ما زال يعمل وفق جدول رواتب يعود في جذوره إلى سبعينيات القرن الماضي، وعلاوات من الثمانينيات، وزيادة بدل محدودة في 2012، بينما تغير الاقتصاد والأسعار عشرات المرات منذ ذلك الوقت. ولهذا لم يعد غريبًا أن يصبح الأستاذ الجامعي في مصر من محدودي الدخل، وأن يتحول معاشه بعد التقاعد إلى أزمة معيشية حقيقية. لا يمكن بناء تعليم قوي برواتب ومعاشات تعيش في زمن اقتصادي انتهى منذ نصف قرن.
- # جامعة القاهرة
- # التعليم العالي
- # قناة السويس
- # الجو
- # جامعة عين شمس
- # الجامعات المصرية
- # الموازنة العامة للدولة
- # جامعة المنوفية
- # هيئة التدريس
- # منظومة التعليم العالي
- # رواتب أعضاء هيئة التدريس
- # تدني رواتب أعضاء هيئة التدريس
- # زيادة مخصصات الدولة لرواتب أعضاء هيئة التدريس
- # كادر خاص عادل لأعضاء هيئة التدريس
- # صورة ذهنية غير دقيقة



