بول فون هايس.. أديب ألماني نال الأستاذية دون أن يدرس وتوج بنوبل
تحل اليوم ذكرى ميلاد الأديب الألماني بول فون هايس، الذي ولد في 15 مارس عام 1830 في مدينة Berlin، ليصبح لاحقًا واحدًا من أبرز الأدباء في تاريخ الأدب الألماني، وقد ترك هايس إرثًا أدبيًا واسعًا امتد عبر الشعر والمسرح والرواية والقصة القصيرة، واستطاع خلال مسيرته الطويلة أن يرسخ اسمه بين كبار الأدباء في أوروبا.
نشأة علمية
نشأ بول فون هايس في أسرة علمية وثقافية متميزة كان لها دور كبير في تشكيل وعيه الأدبي والفكري منذ سنواته الأولى، فوالده كان عالمًا لغويًا بارزًا وأستاذًا في جامعة برلين، عرف بمكانته الأكاديمية الرفيعة، كما كان له دور في تعليم عدد من الشخصيات البارزة في الفكر والثقافة الألمانية خلال القرن التاسع عشر.
أما جده من جهة الأب فقد كان شخصية معروفة في مجال الفهرسة والمعاجم، وهو ما أوجد بيئة منزلية مشبعة بالمعرفة والاهتمام بالعلوم والآداب، في هذا المناخ الثقافي نشأ هايس محاطًا بالكتب والنقاشات الفكرية، وهو ما ساعده على تنمية اهتمامه المبكر بالأدب واللغة.
وقد التحق بمدرسة فريدريش فيلهلمز جيمنازيوم، حيث وصفه أساتذته بأنه طالب متفوق يتمتع بموهبة واضحة في الكتابة والقراءة، كما ساعدته علاقات أسرته الواسعة في الدخول مبكرًا إلى الدوائر الأدبية والفنية في برلين، حيث تعرّف على عدد من المثقفين والأدباء الذين أصبح بعضهم لاحقًا من أصدقائه المقربين.
بدايات أدبية
بعد انتهاء دراسته المدرسية، اتجه بول فون هايس إلى دراسة الأدب الكلاسيكي وفقه اللغة في جامعة برلين، وهناك تعرف على مجموعة من الأسماء الأدبية المهمة في ألمانيا في ذلك الوقت.
وخلال تلك الفترة بدأ اهتمامه الحقيقي بالكتابة يتشكل، فكتب أولى قصائده التي حملت عنوان «فريهلنجسانفانغ» عام 1848، والتي عكست حماسه للأفكار الجديدة التي كانت تنتشر في أوروبا آنذاك، خاصة في ظل الحركات الثورية التي شهدتها القارة في منتصف القرن التاسع عشر.
وفي عام 1849 انضم هايس إلى الفريق الأدبي لإحدى المجلات الأدبية في برلين، وهو ما أتاح له فرصة نشر أعماله الأولى والتواصل مع الكتاب والشعراء الشباب، كما قام خلال تلك الفترة برحلة قصيرة لملاقاة بعض الجيوش الشعبية الطلابية التي شاركت في الحركات الثورية، لكنه عاد سريعًا إلى بلاده دون أن ينضم إليها، ربما احترامًا لرغبة أسرته وخوفهم عليه.
مسيرة الكتابة
في أبريل من عام 1849 غادر بول فون هايس إلى مدينة Bonn بعد أن أمضى عامين في جامعة برلين، وهناك درس تاريخ الفن واللغات الرومانسية، وهو ما أضاف بعدًا جديدًا إلى تكوينه الثقافي والأدبي. وفي عام 1850 قرر أن يكرّس حياته للكتابة الأدبية، وبدأ العمل على أطروحة أكاديمية تحت إشراف أحد رواد فقه اللغة الرومانسية في ألمانيا.
وخلال هذه الفترة نشر والده أول كتاب لهايس بعنوان «دير جونجبرونين»، وهو مجموعة من القصص والقصائد التي ظهرت دون ذكر اسم المؤلف، وفي الوقت نفسه كان هايس يعمل على كتابة مسرحية تراجيدية بعنوان «فرانشيسكا فون ريميني»، كما بدأ في تكوين علاقات أدبية مهمة مع عدد من الكتاب الألمان، من بينهم الكاتب Theodor Storm، حيث نشأت بينهما صداقة طويلة بعد أن كتب هايس نقدًا إيجابيًا لأحد أعماله الأدبية.
مرحلة ميونخ
شهدت حياة بول فون هايس تحولًا مهمًا عندما انتقل إلى مدينة Munich في منتصف خمسينيات القرن التاسع عشر، حيث أصبح جزءًا من الحياة الثقافية والأدبية المزدهرة في المدينة.
وقد تمكن صديقه الشاعر Emanuel Geibel من إقناع ملك بافاريا Maximilian II of Bavaria بمنح هايس لقب الأستاذية الفخرية في ميونخ، رغم أنه لم يعمل فعليًا بالتدريس الجامعي.
وخلال إقامته في ميونخ أصبح هايس أحد أبرز الشخصيات في المشهد الأدبي الألماني، إذ شارك في العديد من الأنشطة الثقافية والأدبية، وواصل إنتاجه الغزير من الشعر والمسرحيات والروايات والقصص القصيرة، ما جعله واحدًا من أكثر الأدباء نشاطًا وتأثيرًا في عصره.
جائزة نوبل
تُوّجت مسيرة بول فون هايس الأدبية بحصوله على Nobel Prize in Literature عام 1910، تكريمًا لمسيرته الطويلة التي جمع فيها بين الشعر والمسرح والرواية والقصة القصيرة، وقد أشادت لجنة الجائزة بما وصفته بالفن المثالي الرفيع الذي ظهر في أعماله، والذي عكس قدرة استثنائية على التعبير عن القيم الإنسانية والموضوعات الأدبية العميقة.
ويعد فوز هايس بهذه الجائزة تتويجًا لمسيرة امتدت لعقود من العمل الأدبي المتواصل، إذ ترك خلفه إنتاجًا ضخمًا جعل اسمه واحدًا من أبرز الأسماء في الأدب الألماني الحديث، كما ظل تأثيره حاضرًا في الأوساط الأدبية حتى بعد رحيله، ليبقى مثالًا للأديب الذي استطاع أن يخلد اسمه بالكلمة والفكر والإبداع.