رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت


 

تشير التطورات العسكرية الأخيرة في الخليج إلى أن جزيرة خرج الإيرانية تحولت إلى واحدة من أهم نقاط الارتكاز في الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران. فهذه الجزيرة الصغيرة الواقعة في شمال الخليج العربي لا تمثل مجرد منشأة نفطية، بل تعد الشريان الحيوي للاقتصاد الإيراني، إذ يمر عبرها ما يقارب 90% من صادرات النفط الإيرانية إلى الأسواق العالمية. ومن هنا فإن أي استهداف عسكري لها يحمل دلالات استراتيجية تتجاوز البعد العسكري المباشر لتطال البعد الاقتصادي والسياسي، وربما تحدد مسار الحرب ومآلاتها.

لذلك تبدو الضربات العسكرية الأمريكية جزءاً من استراتيجية أكثر تعقيداً مما تبدو عليه في ظاهرها. فالمعطيات المتداولة تشير إلى أن الضربات ركزت على تدمير القواعد العسكرية ومرافق المراقبة والرصد في الجزيرة، في حين جرى تجنب استهداف البنية التحتية النفطية الأساسية. هذه المقاربة تعكس على ما يبدو رغبة أمريكية في إضعاف القدرة الدفاعية الإيرانية حول أهم مركز لتصدير النفط دون الذهاب إلى تدمير كامل للمنشآت النفطية، وهو خيار يحمل في طياته رسائل متعددة.

أول هذه الرسائل يتعلق بمحاولة تجنب إحداث صدمة في أسواق الطاقة العالمية. فالتدمير الكامل لمنشآت النفط في جزيرة خرج قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط العالمية، وهو سيناريو لا يخدم المصالح الأمريكية ولا مصالح الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل اعتماد العديد من الدول الآسيوية على النفط القادم من منطقة الخليج. وفي مقدمة هذه الدول تأتي الصين التي تعد من أبرز المستوردين للطاقة في العالم، والتي تتابع عن كثب أي تطورات قد تؤثر في استقرار الإمدادات النفطية.

أما الرسالة الثانية فتتعلق بطبيعة الضغط الاستراتيجي الذي تسعى واشنطن إلى فرضه على طهران. فالإبقاء على المنشآت النفطية سليمة يعني أن الولايات المتحدة ما زالت تحتفظ بورقة ضغط كبرى يمكن استخدامها في حال تصاعدت المواجهة. فمجرد التلويح بإمكانية تدمير هذه المنشآت في مرحلة لاحقة قد يكون كافياً لدفع إيران إلى التفكير ملياً قبل اتخاذ أي خطوات تصعيدية قد تعرض موردها الاقتصادي الأهم للخطر.

في الوقت نفسه فإن الربط الذي أعلنه ترامب بين سلامة البنية النفطية في جزيرة خرج وبين حرية الملاحة في مضيق هرمز يكشف عن محاولة واضحة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك في الخليج. فمضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، حيث يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة الدولية. ومن خلال هذا الربط، تحاول واشنطن إيصال رسالة مفادها أن استمرار تدفق النفط الإيراني عبر جزيرة خرج مرتبط مباشرة بالحفاظ على أمن الملاحة في المضيق، ما يعني عملياً وضع طهران أمام خيارين: إما الالتزام بضبط التصعيد العسكري في الخليج، أو المخاطرة بفقدان أهم مصدر للدخل الاقتصادي في البلاد.

لكن في المقابل لا يبدو أن إيران فقدت قدرتها على الرد. كما تعكس هذه التطورات أن الصراع دخل مرحلة أكثر تعقيداً من المواجهة، حيث لم يعد يقتصر على الضربات العسكرية المباشرة، بل بات يشمل حرباً استخباراتية وتقنية تعتمد على قدرات الرصد والاستطلاع والاستهداف الدقيق. وفي مثل هذه الحروب تلعب المعلومات الاستخباراتية وشبكات المراقبة دوراً حاسماً في تحديد موازين القوة على الأرض.

في ضوء هذه المعطيات يرى بعض المحللين أن الاستراتيجية الأمريكية قد لا تستهدف إسقاط النظام الإيراني بشكل مباشر بقدر ما تسعى إلى السيطرة على مفاتيح الضغط الاقتصادي التي يعتمد عليها هذا النظام في البقاء. فتعطيل أو السيطرة على مركز تصدير النفط الإيراني يعني عملياً خنق المصدر الرئيسي للعملة الصعبة في الاقتصاد الإيراني، وهو ما قد يضع طهران تحت ضغط اقتصادي وسياسي كبير دون الحاجة إلى خوض حرب برية واسعة أو مواجهة عسكرية شاملة.

فيمكن النظر إلى جزيرة خرج باعتبارها العقدة الاستراتيجية التي قد تحدد مآلات الحرب. فإذا تمكنت الولايات المتحدة من تحييد القدرة الإيرانية على استخدام هذه الجزيرة كمركز آمن لتصدير النفط، فإن ذلك قد يمنح واشنطن ورقة قوية يمكن استخدامها لإعلان تحقيق أهدافها العسكرية. وفي هذه الحالة، قد تقدم الإدارة الأمريكية السيطرة أو الشلل الذي أصاب منشآت الجزيرة باعتباره إنجازاً استراتيجياً يسمح بإنهاء المواجهة المباشرة.

غير أن هذا السيناريو لا يعني بالضرورة نهاية فورية للحرب. فمن المرجح أن تسعى إيران إلى تنفيذ ردود محدودة تهدف إلى الحفاظ على صورتها الداخلية وإظهار قدرتها على الصمود في وجه الضغوط الأمريكية، قبل الدخول في أي مرحلة تهدئة أو تسوية غير معلنة. كما أن الولايات المتحدة نفسها قد تفضل إنهاء المواجهة عند هذا الحد إذا شعرت بأنها حققت أهدافها الأساسية دون الانجرار إلى حرب طويلة قد تحمل مخاطر اقتصادية وسياسية كبيرة.

تبدو جزيرة خرج اليوم أكثر من مجرد منشأة نفطية، فهي تمثل نقطة التقاء بين الاقتصاد والسياسة والجغرافيا الاستراتيجية في الصراع الدائر في الخليج. والسيطرة على هذا الشريان الحيوي لتصدير النفط الإيراني قد تمنح واشنطن القدرة على إعادة رسم موازين القوة في المنطقة، كما قد توفر لها المخرج السياسي الذي يسمح بإعلان نهاية المواجهة العسكرية. ومع ذلك فإن طبيعة الصراع وتعقيداته الإقليمية والدولية تجعل من الصعب الجزم بأن الحرب قد اقتربت بالفعل من نهايتها، إذ يبقى احتمال التصعيد أو التهدئة مرتبطاً بحسابات القوى المتصارعة وبمدى استعداد كل طرف لتحمل كلفة المواجهة في المرحلة المقبلة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء