«خرج مقابل هرمز»| معركة تكسير العظام والمساومة بين أمريكا وإيران
تتصاعد المواجهة بين واشنطن وطهران لتطال "الشريان التاجي" للاقتصاد الإيراني وفي تطور يضع أسواق الطاقة العالمية على حافة الهاوية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توجيه ضربة عسكرية استهدفت جزيرة "خرج" الاستراتيجية ومركز تصدير النفط الرئيسي في البلاد.
وهو تصعيد يعيد إلى الأذهان رؤية تبناها ترامب قبل عقود، في وقت تنفي فيه طهران وقوع أضرار بالغة، وتلوح بورقة مضيق هرمز والتعامل باليوان الصيني.

استهداف جزيرة خرج
وأكد الرئيس الأمريكي، في منشور عبر منصته "تروث سوشيال"، أن القيادة المركزية الأمريكية نفذت قبل لحظات واحدة من أقوى الغارات الجوية في تاريخ الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن الغارة دمرت تدميراً شاملاً كل هدف عسكري في جزيرة خرج الإيرانية.
وأضاف ترامب أن معظم القدرات العسكرية الإيرانية "اختفت" ولم يعد لديهم رادارات أو أنظمة دفاع جوي تقريباً، مشدداً على أن إيران لا تمتلك أي قدرة للدفاع عن أي هدف تختار واشنطن مهاجمته، ولن تحظى أبداً بالقدرة على تهديد الولايات المتحدة أو العالم بسلاح نووي.
كما توعد بأنه إذا أقدمت إيران على إعاقة المرور عبر مضيق هرمز، فإنه سيعيد النظر بقرار محو البنية التحتية النفطية للجزيرة بالكامل، داعياً الجيش الإيراني إلى إلقاء أسلحته لإنقاذ بلاده.
في المقابل، سارعت طهران إلى نفي الرواية الأمريكية؛ حيث نقلت وكالة "مهر" الإيرانية عن مصادر مطلعة أن الوضع في جزيرة خرج مستقر، وأن المنشآت النفطية لم تتعرض لأي أضرار وتواصل أنشطتها كالمعتاد. وأكدت الوكالة أن جميع موظفي وعمال صناعة النفط في الجزيرة لم يتعرضوا لأي أذى، مشيرة إلى أن الهجمات لم تحقق أهدافها الاستراتيجية، وأن منظومات الدفاع الجوي بالجزيرة عادت للعمل بعد وقت قصير من الهجوم.

الرد الإيراني
ومع استهداف جزيرة "خرج"، بدأت ملامح الرد الإيراني تظهر؛ حيث حث الحرس الثوري الإيراني المواطنين الإماراتيين على إخلاء الموانئ والأرصفة والملاجئ العسكرية الأمريكية فوراً لتجنب وقوع إصابات بين المدنيين.
ويعكس هذا التحذير نية طهران توسيع رقعة المواجهة لتشمل القواعد والمصالح الأمريكية في الخليج رداً على استهداف "خرج"، مما يضع المنطقة أمام سيناريوهات صدام شامل.
اضرب الشريان ينهار الجسد
ويرى المحللون أن هذا التصعيد الميداني ليس وليد اللحظة، بل هو تجسيد لعقيدة شكلت قرارات ترامب السياسية لاحقاً.
ففي عام 1988، أجرى ترامب — الملياردير الشاب آنذاك — مقابلة مع صحيفة "الجارديان" أبدى فيها ضيقه من استغلال العالم لبلاده، مقترحاً حلاً صادماً للتوترات في الخليج يتمثل في الاستيلاء على الحقول النفطية الإيرانية أو تدميرها.
حينها، حدد ترامب جزيرة "خرج" كهدف رئيسي، معتبراً أن ضرب هذا "الشريان" سيفقد إيران قدرتها على تمويل تحركاتها ويجبرها على الخضوع. واليوم، تعكس التهديدات الأمريكية ذات المنطق القديم: "اضرب الشريان ينهار الجسد"، رغم الفارق المتمثل في تحصين الجزيرة بأنظمة دفاع متطورة ومخاوف الإدارات الأمريكية السابقة من أن استهدافها قد يقفز بأسعار النفط العالمية إلى ما يتجاوز 150 دولاراً للبرميل.

جزيرة خرج
وتبرز الأهمية القصوى لجزيرة "خرج" المرجانية — التي تبعد 43 كيلومتراً عن البر الرئيسي وأنشأتها شركة أموكو الأمريكية قبل أن تستولي عليها إيران عام 1979 — في كونها نقطة نهاية خطوط الأنابيب القادمة من الحقول الإيرانية.
ويمر عبر الجزيرة نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية، حيث تستقبل مرافقها يومياً ما بين 1.3 و1.6 مليون برميل، وهو رقم رفعته إيران إلى 3 ملايين برميل يومياً في منتصف فبراير الماضي تحسباً للهجوم، وفقاً لبنك "جي بي مورغان" الذي أشار أيضاً إلى وجود 18 مليون برميل إضافية مخزنة كاحتياطي.

مضيق هرمز
وتترافق هذه التطورات مع شلل شبه كامل في مضيق هرمز، الشريان المائي الذي يمر عبره خمس صادرات النفط العالمية. فقد أدت الهجمات على خمس ناقلات نفط منذ بداية العملية العسكرية في 28 فبراير إلى انخفاض حاد في حركة السفن، ودفع شركات كبرى مثل "ميرسك" لتعليق بعض خدماتها نتيجة المخاطر وارتفاع تكاليف التأمين.
وفي حين أكدت آنا كيلي، المتحدثة باسم البيت الأبيض، أن الجيش الأمريكي يسعى لزيادة الضغوط على إيران التي "ليست في موقع قوة"، يتوقع خبراء عودة الناقلات للمضيق قريباً تحت حماية بحرية أمريكية ألمح ترامب لإمكانية نشرها.
وفي محاولة لتوظيف هذه الأزمة الاستراتيجية وتجاوز العقوبات، كشفت شبكة "سي إن إن" عن خطة إيرانية جديدة تدرس السماح بمرور عدد محدود من ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، مقابل أن يُباع النفط المنقول باليوان الصيني بدلاً من الدولار الأمريكي، في خطوة يرى محللو الطاقة أنها تهدف للضغط على الولايات المتحدة لإجبارها على وقف إطلاق النار.