تجمعني بالمؤلف أيمن سلامة صداقة تمتد لسنوات طويلة، وخلال هذه السنوات كنت متابعًا عن قرب لمسيرته الفنية، بل إن بعض أعماله كنت حاضرًا أثناء مراحل كتابتها الأولى. ولذلك كنت على دراية بالطابع الجاد الذي يميز معظم أعماله، إذ اعتاد أن يطرح قضايا اجتماعية وإنسانية مهمة في إطار درامي يتسم بالعمق والجدية. من هنا جاءت مفاجأتي هذا العام عندما قدم عملًا يميل إلى الكوميديا بعنوان "كلهم بيحبوا مودي"، لكن هذه المفاجأة لم تكن في الاتجاه الكوميدي نفسه، بل في الطريقة التي استخدم بها الكوميديا كوسيلة لطرح أفكار إنسانية واجتماعية دون أن يفقد العمل خفته وبساطته.
فالكوميديا في هذا المسلسل ليست مجرد وسيلة لإضحاك المشاهد، بل أداة فنية لطرح أسئلة قريبة من الواقع، تُقدَّم بأسلوب بسيط يسمح للمشاهد بالتأمل دون أن يشعر بثقل الطرح أو المباشرة. ومن خلال هذا العمل يحاول المؤلف المزج بين الكوميديا والدراما الاجتماعية، عبر حكاية تبدو في ظاهرها قصة رومانسية خفيفة، لكنها في جوهرها تتناول فكرة التغيير الإنساني وتأثير العلاقات في تشكيل سلوك الإنسان. ويمكن اعتبار هذا الاتجاه خطوة مختلفة في مسيرة أيمن سلامة، الذي عرفه الجمهور من خلال أعمال درامية جادة مثل "جميلة" و"يوتيرن" و"ولد الغلابة" و"قضية صفية".
تدور أحداث المسلسل حول شخصية «مودي»، وهو رجل أعمال يعيش حياة مرفهة مليئة بالسهر والعلاقات المتعددة. يظهر في البداية كشخص اعتاد أن يسير خلف رغباته الخاصة دون أن يمنح اهتمامًا كبيرًا لمشاعر الآخرين أو لنتائج تصرفاته. ومن خلال هذه الشخصية يقدم العمل نموذجًا لإنسان يبدو ناجحًا من الخارج، لكنه في داخله يعاني حالة من الفراغ العاطفي وعدم الاستقرار. ومع تطور الأحداث يجد نفسه أمام سلسلة من المواقف الإنسانية التي تجبره على إعادة النظر في طريقة حياته، خاصة عندما يدخل في علاقة مع فتاة تنتمي إلى بيئة اجتماعية مختلفة تمامًا عن عالمه.
هذه العلاقة تمثل نقطة التحول الأساسية في مسار الحكاية، إذ تفتح الباب أمام صدام بين عالمين متباينين؛ عالم الثراء والرفاهية الذي اعتاد عليه البطل، وعالم أكثر بساطة تحكمه قيم مختلفة ونظرة أخرى للحياة. ومن خلال هذا التباين يطرح العمل سؤالًا إنسانيًا متكررًا عبر الزمن: هل يمكن للمشاعر الصادقة أن تغيّر الإنسان فعلًا، أم أن طباعه القديمة تظل أقوى من أي محاولة للتحول؟
اختار الكاتب أن يعالج هذه الفكرة بأسلوب يميل إلى الخفة والإنسانية، مبتعدًا عن الخطاب الوعظي المباشر. فالشخصيات في المسلسل لا تُقدَّم بوصفها نماذج مثالية أو شريرة بشكل مطلق، بل تظهر بقدر من التناقض يشبه ما نراه في الحياة اليومية. فـ"مودي" ليس بطلًا تقليديًا ولا شخصية سلبية بالكامل، بل إنسان يعيش صراعًا داخليًا بين نمط حياة اعتاد عليه، وبين رغبة متنامية في أن يصبح شخصًا أكثر توازنًا ومسؤولية.
ويعتمد العمل في كثير من مشاهده على المفارقات الدرامية الناتجة عن اختلاف الخلفيات الاجتماعية والثقافية بين الشخصيات. فالمواقف الكوميدية لا تنبع من النكات المباشرة بقدر ما تأتي من سوء الفهم أو اختلاف طريقة التفكير بين شخصيات تنتمي إلى عوالم متباينة. وهذه المفارقات تمنح العمل إيقاعًا خفيفًا يجذب المشاهد ويجعله يتابع الأحداث بسهولة، وفي الوقت نفسه تفتح مساحة للتأمل في طبيعة العلاقات الإنسانية.
ومن الأفكار التي يلمح إليها المسلسل أيضًا تأثير المرأة في حياة الرجل. فالشخصية النسائية هنا لا تظهر كعنصر رومانسي عابر، بل كقوة قادرة على التأثير في مسار حياة البطل. ومن خلال العلاقة بينهما يبدأ "مودي" في مراجعة أولوياته وطريقة تعامله مع الآخرين، وكأن العمل يلمح إلى أن العلاقات الإنسانية قد تكون أحيانًا العامل الأكثر قدرة على دفع الإنسان نحو التغيير.
وعلى مستوى البناء الدرامي يعتمد المسلسل على إيقاع سريع نسبيًا وعلى مواقف يومية يمكن أن تحدث لأي شخص في المجتمع. فلا يعتمد العمل على الأحداث الضخمة أو الصراعات الصاخبة، بل يتطور الخط الدرامي من خلال التغير التدريجي في الشخصيات. فالقصة في جوهرها ليست قصة أحداث بقدر ما هي قصة تحول داخلي يمر به البطل مع مرور الوقت.
كما يبتعد العمل عن الصورة التقليدية للبطل الذي لا يخطئ أو الذي يمتلك دائمًا الحلول. فالشخصية الرئيسية تمر بسلسلة من الأزمات العاطفية والمهنية التي تضعها في مواجهة مباشرة مع نفسها. ومن خلال هذه المواجهة يبدأ التغيير الحقيقي، حيث يتحول البطل تدريجيًا من شخص يعيش لنفسه فقط إلى إنسان أكثر وعيًا بمسؤولياته تجاه الآخرين.
في النهاية يمكن النظر إلى "كلهم بيحبوا مودي" بوصفه تجربة درامية تحاول تقديم حكاية اجتماعية خفيفة تحمل رسالة إنسانية عن النضج العاطفي وإمكانية التغيير. فالحكاية في ظاهرها قصة حب، لكنها في عمقها رحلة إنسانية يمر فيها البطل بمرحلة مراجعة لنفسه ولعلاقاته بالآخرين.
وهكذا يذكرنا العمل بأن الدراما الاجتماعية لا تحتاج دائمًا إلى صراعات صاخبة أو أحداث كبيرة كي تصل إلى الجمهور، بل قد تنجح أحيانًا من خلال قصة بسيطة وشخصيات قريبة من الواقع. وعندما يحدث ذلك تتحول الكوميديا من مجرد وسيلة للضحك إلى مرآة اجتماعية تعكس جانبًا من حياتنا اليومية، وتمنح المشاهد فرصة لرؤية نفسه في حكايات الآخرين.