رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت


 

لقد تحطمت آمال دونالد ترامب في تكرار النموذج الفنزويلي في إيران.

فقد اعتقد صناع القرار في واشنطن أن صدمة حاسمة، تتمثل في مزيج من الضغط العسكري واستهداف رأس النظام، قد تُجبر النظام الإيراني على الخضوع لشروط الولايات المتحدة. وكان التصور أن البنية السياسية الإيرانية ستتفكك تحت وطأة هذا الضغط، بما يمهد الطريق لمفاوضات بشروط واشنطن، أو حتى لانهيار النظام نفسه.

لكن ما حدث كان العكس تمامًا.

فقد أغلق النظام الإيراني صفوفه واختار مجتبى خامنئي خلفًا لوالده كمرشد أعلى، في خطوة شكلت تحديًا واضحًا لإرادة واشنطن. وبدلًا من أن يؤدي تصفية رأس النظام إلى صعود بديل معتدل، أفضى ذلك إلى بروز قيادة أكثر تشددًا في طهران.

دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل هذه الحرب على أمل أن يؤدي الضغط العسكري المستمر إلى تغيير النظام في إيران أو انهياره من الداخل. لكن هذه الآمال سرعان ما تحولت إلى حطام.

لا شك أن إيران تكبدت خسائر عسكرية كبيرة. فقد تضررت منشآت تخصيب اليورانيوم بالفعل في الحرب السابقة، كما تعرض جزء كبير من البنية التحتية للصواريخ لأضرار جسيمة. إلا أنها لم تُدمَّر بالكامل. فحتى بعد نحو أسبوعين من القصف المتواصل، ما تزال إيران قادرة على إطلاق وابل من الصواريخ والطائرات المسيَّرة على إسرائيل ودول أخرى في المنطقة، وهو ما يثبت أن قدراتها الاستراتيجية قد أُضعفت لكنها لم تُهزم.

كما تم تحييد أغلب القوات البحرية الإيرانية إلى حد كبير. غير أن الصورة الاستراتيجية هنا أيضًا بعيدة عن النصر الحاسم الذي ربما كانت واشنطن تتوقعه.

فعلى الرغم من تدمير جزء كبير من أسطولها، أثبتت إيران قدرتها على عرقلة الملاحة في مضيق هرمز عبر هجمات بالطائرات المسيَّرة وتكتيكات الحرب غير المتكافئة. وكانت النتيجة اضطرابًا كارثيًا في أسواق الطاقة العالمية، إذ قفزت أسعار النفط والغاز بشكل حاد، مما دفع الاقتصاد العالمي إلى حافة أزمة طاقة تاريخية.

بعبارة أخرى، وعلى الرغم من التفوق العسكري الساحق، فشلت الولايات المتحدة حتى الآن في تحقيق أبسط أهدافها، وعلى رأسها ضمان حرية الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وفي الوقت نفسه، تتسع رقعة الحرب بسرعة خارج ساحة المواجهة الأصلية.

فقد جُرَّ لبنان بالفعل إلى الصراع كجبهة ثانية. كما أن الهجمات على العراق من قبل أطراف متعددة تهدد بجر هذا البلد الهش إلى الحرب على نطاق أوسع. أما الضربات الإيرانية على دول الخليج فتزيد من اتساع رقعة النزاع، مما يحول ما بدأ كمواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة إلى حرب إقليمية متصاعدة يصعب التحكم بها.

وهذا يضع دونالد ترامب أمام خيارات شديدة الصعوبة.

فمن جهة، يبدو أنه يحاول خلق مخرج محتمل عبر المبالغة في حجم الخسائر الإيرانية. وقد يعلن في مرحلة ما وقفًا أحاديًا للعمليات العسكرية ويزعم تحقيق النصر.

ومن جهة أخرى، قد يختار التصعيد ويطيل أمد الحرب لأسابيع إضافية، وربما يأمر بعمليات برية محدودة. وقد تهدف مثل هذه العمليات إلى استعادة مخزونات مدفونة من اليورانيوم عالي التخصيب أو السيطرة على موانئ إيرانية استراتيجية.

لكن هذا المسار محفوف بالمخاطر. فالتصعيد الأعمق قد يغرق الولايات المتحدة بسهولة في مستنقع شرق أوسطي جديد، ستكون له تبعات سياسية غير مريحة على إدارة ترامب، خصوصًا في ظل سعي حزبه للحفاظ على أغلبية مقاعد مجلسي الكونغرس خلال انتخابات التجديد النصفي التي ستنعقد لاحقًا هذا العام.

أما إذا اختار ترامب الطريق الأسهل وقرر الانسحاب، فقد تكون العواقب أيضًا وخيمة. فإيران قد تكون مُنهكة ومجروحة بل ومُدمَّرة، لكنها ما تزال قائمة. ومن المؤكد أن النظام سيعلن النصر بمجرد بقائه، وربما يكون هذا الادعاء أكثر إقناعًا، رغم عدم منطقيته، من تصريحات واشنطن الجوفاء عن تحقيق النصر بعد تدمير بضع مئات من المواقع العسكرية وتنفيذ عدة اغتيالات.

وقد يشكل مثل هذا السيناريو إهانة تاريخية للولايات المتحدة، ويمنح دفعة قوية لقوى كبرى منافسة مثل روسيا والصين، وربما يشير إلى بداية تآكل ملموس في مكانة الولايات المتحدة كقوة مهيمنة على النظام الدولي.

لقد وضع ترامب الكثير على المحك في هذه الحرب الحمقاء، وكل خياراته تبدو صعبة. فمخرج غير مقنع سيشكل إخفاقًا استراتيجيًا لواشنطن على المدى الطويل. أما حرب طويلة فقد تأتي بنتائج يصعب التنبؤ بها؛ فمن جانب ربما يؤدي إطالة أمد الحرب إلى تسوية تُجبر إيران على تقديم تنازلات في ملفها النووي وبرنامجها الصاروخي، لكن من جانب آخر قد تفضي إلى حرب بلا نهاية واضحة ولا آفاق لنصر حاسم لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل.

ويبقى احتمال آخر قد يكون الأصعب على واشنطن تقبله. فإذا نجحت إيران في الصمود رغم كل الصعاب، فقد يصبح البقاء بحد ذاته أعظم انتصار لها، بما لذلك من تبعات على وضعية الولايات المتحدة كقطب مهيمن على النظام الدولي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء