رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

 

في عالم السياسة الدولية، لا تكون كل الحروب متشابهة في طبيعتها أو نتائجها. فالتجربة التاريخية تشير إلى أن الدول الكبرى، خصوصًا الديمقراطيات، تنجح عادةً إما في الحروب السريعة المحدودة أو في الحروب الكبرى التي تعبّئ المجتمع بالكامل، لكنها تواجه صعوبة حقيقية في نوع ثالث أقل وضوحًا: الحروب متوسطة الحجم. هذا النوع من الصراعات لا يكون صغيرًا بما يكفي لينتهي سريعًا، ولا كبيرًا بما يكفي لخلق إجماع وطني شامل، فيتحول إلى نزاع طويل ومكلف سياسيًا وإنسانيًا.

الحروب المتوسطة تُحدث دمارًا واسعًا وخسائر بشرية كبيرة، لكنها تبقى بعيدة نسبيًا عن الحياة اليومية للمجتمع الذي يخوضها. لذلك لا يشعر الرأي العام بضرورة التضحية الكاملة، ولا تستطيع القيادة السياسية إعلان نصر حاسم. هنا تبدأ الأزمة الحقيقية: حرب تستنزف الموارد والشرعية السياسية دون أن تحقق حسمًا استراتيجيًا واضحًا.

تجارب الولايات المتحدة في فيتنام والعراق وأفغانستان تقدّم نموذجًا واضحًا لهذا المأزق. فهذه الحروب، رغم ضخامتها، لم تصل إلى مستوى الحروب العالمية التي أعادت تشكيل النظام الدولي، ولم تكن أيضًا عمليات عسكرية محدودة يمكن السيطرة على نتائجها بسهولة. النتيجة كانت تراجع الثقة الداخلية في قرارات السياسة الخارجية، وتآكل صورة القيادة السياسية أمام المجتمع.

اليوم يعود النقاش ذاته بعد التصعيد تجاه إيران. فالفجوة بين إسقاط نظام قائم وبناء نظام بديل مستقر غالبًا ما تكون أوسع بكثير مما تتوقعه الحسابات العسكرية. التدخل قد يبدأ كعملية محدودة، لكنه قد يتطور تدريجيًا إلى صراع طويل يخلق حالة من عدم الاستقرار الإقليمي، خاصة في منطقة حساسة استراتيجيًا مثل الخليج العربي، حيث ترتبط الطاقة والتجارة والأمن العالمي ببعضها بصورة مباشرة.

من منظور أوسع، تكشف هذه الحروب عن مفارقة أساسية في السياسة الدولية: القوة العسكرية قادرة على هدم التوازنات القائمة بسرعة، لكنها أقل قدرة بكثير على بناء نظام جديد مستقر. وهنا يتحول النجاح العسكري الأولي إلى عبء سياسي طويل الأمد.

ومن زاوية امرأة عربية تراقب العالم من منطقة غالبًا ما تتحول إلى مسرح لهذه الصراعات، تبدو الحروب المتوسطة وكأنها لا تُخاض فقط بين دول، بل فوق حياة شعوب كاملة تُترك معلّقة بين لا حرب تنتهي ولا سلام يبدأ. فالقرارات التي تُتخذ في عواصم بعيدة لا تُقاس نتائجها بالخرائط العسكرية، بل بمدى قدرتها على إعادة الاستقرار والكرامة الإنسانية لمن يعيشون داخل دائرة الصراع.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء