هل تتلاعب واشنطن بأسعار النفط؟.. ما بين «حرب التداولات» وصدمة مارس| تحقيق
لم يكن مطلع مارس 2026 مجرد شهر آخر في تقويم أسواق الطاقة، بل كان نقطة غليان أعادت رسم خارطة النفوذ الاقتصادي العالمي، فمع اندلاع المواجهة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران، وتحول مضيق هرمز إلى «منطقة رمادية» مهددة بالإغلاق الكامل، انفجرت أسعار النفط في وجه الجميع، قافزة بنسبة تتجاوز 25% في غضون أيام.
وبينما كان خام برنت يلامس مستويات لم يشهدها منذ سنوات، كانت إدارة الرئيس دونالد ترامب تخوض معركة أخرى خلف الشاشات؛ معركة وُصفت بأنها "أكبر عملية تلاعب حكومي" في تاريخ الأسواق الحرة.
بين سحب تاريخي من الاحتياطي الاستراتيجي وتدخلات «شبحية» في بورصات العقود الآجلة، يقف العالم متسائلاً: هل تنقذ أمريكا الاقتصاد العالمي أم أنها تكسر قواعد الرأسمالية لإنقاذ طموحات سياسية؟
زلزال الأسعار.. صدمة الـ 27 سنتاً ومقامرة ترامب
بدأت الأزمة بزيادة فورية في أسعار البنزين داخل الولايات المتحدة بلغت 27 سنتاً للغالون الواحد في أسبوع، مما وضع إدارة ترامب في مأزق انتخابي واقتصادي حرج. الارتفاع لم يكن مجرد أرقام، بل كان انعكاساً لمخاوف حقيقية من انقطاع 15 مليون برميل يومياً تمر عبر مضيق هرمز.
في 11 مارس، خرج القرار النووي اقتصادياً، إطلاق 172 مليون برميل من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي (SPR)، ما يعادل 41% من المخزون المتبقي.
فترامب، الذي طالما انتقد استخدام هذا الاحتياطي في عهود سابقة، صرح ببرودته المعهودة: «ملأته مرة، وسأملأه مرة أخرى، لكن الآن سنقلله قليلاً لخفض الأسعار»، إلا أن هذا التحرك لم يكن معزولاً، بل جاء بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية في عملية شملت 32 دولة لضخ 400 مليون برميل، وهي أكبر عملية طوارئ في تاريخ النفط.

هندسة سكوت بيسينت.. التدخل في أسواق المشتقات
خلف الأبواب المغلقة في وزارة الخزانة الأمريكية، تصاعد اسم وزير الخزانة سكوت بيسينت ليتردد بقوة في أروقة بورصات نيويورك وشيكاغو، فبيسينت، المدير السابق لصناديق التحوط والذي صقل خبرته في "فنون الحرب المالية" إلى جانب الملياردير جورج سوروس، يُنظر إليه اليوم من قبل الأوساط المالية باعتباره العقل المدبر لـ الخطة (ب) لمواجهة صدمة أسعار النفط.
ووفقاً لما كشفته تقارير صحفية لوكالتي رويترز وبلومبرج، لم تكتفِ وزارة الخزانة الأمريكية بضخ النفط المادي من الاحتياطي الاستراتيجي، بل بدأت في استكشاف سيناريوهات "التدخل المباشر" في سوق العقود الآجلة للنفط، وتعتمد الاستراتيجية –التي توصف بالخطيرة– على دخول الحكومة كـ «بائع ضخم» لعقود النفط الورقية لكسر موجة الصعود السعري بشكل اصطناعي.
«بائع غامض» ضخ كميات هائلة من العقود الآجلة
ورغم محاولات الإدارة الأمريكية التقليل من أهمية هذه التحركات لاحقاً أو التشكيك في جدواها، إلا أن ما جرى على أرض الواقع في بورصة شيكاغو التجارية (CME) –أكبر بورصة للمشتقات في العالم– كان مغايراً تماماً، فقد رصد المتداولون ظهور «بائع غامض» ضخ كميات هائلة من العقود الآجلة عبر صفقات كتلة (Block Trades)، مما أحدث حالة من الارتباك الحاد في أوساط السوق ودفع الأسعار للتراجع القسري.
هذا التدخل غير المسبوق دفع تيري دوفي، رئيس مجموعة سي إم إي هي السوق الرائدة عالميًا والأكثر تنوعًا للمشتقات المالية، لإطلاق تحذير شديد اللهجة وصف فيه هذه التحركات بـ "الكارثة التوراتية" أو ما تعرف بـ Biblical Disaster.
وحذر دوفي من أن تدخل الحكومة في آليات التسعير عبر الأسواق الاشتقاقية لا يزعزع استقرار الأسعار فحسب، بل يضرب في مقتل ثقة المستثمرين في عدالة التسعير، وهو ما قد ينذر بهروب جماعي لرؤوس الأموال من أسواق المشتقات الأمريكية بحثاً عن ملاذات أكثر شفافية.
القراءة الاقتصادية: إشارات سلبية وفجوة مصداقية
في محاولة لفك شفرة هذا المشهد المعقد، يرى خبراء تحدثوا لـ إيجبتك، أن هناك فجوة هائلة بين ما تقوله الإدارة الأمريكية وما تعبر عنه الأرض.
ويقول الدكتور مصطفى بدرة، الخبير الاقتصادي في حديثه مع إيجبتك: الأسواق تعطي إشارات سلبية للغاية عما يتحدث عنه وزير الخزانة أو الرئيس الأمريكي، فاليوم، ونحن نتحدث، يتداول برميل البترول عند مستويات 101.5 و102 دولار، بعد أن قفز من مستويات 60 و70 دولاراً قبل أشهر قليلة. هذا الارتفاع بنسبة 80% يدل على عدم صدق الإدارة الأمريكية في قدرتها على السيطرة الحقيقية على الأسعار.
ويضيف بدرة أن الأحداث الجيوسياسية الحالية أضرارها تفوق بكثير أي «مسكنات» مالية، مشيراً إلى أن المواطن في الاتحاد الأوروبي وأمريكا بدأ يشعر بالفعل بزيادات في أسعار الطاقة تتراوح بين 20 إلى 30%، وهو ما يضعف الرواية الرسمية حول السيطرة على الموقف.
الزاوية التقنية.. هل يعوض الاحتياطي الاستراتيجي غياب نفط الخليج؟
من الناحية الفنية، تظل القدرة على المناورة محدودة مهما بلغت أرقام مخزونات الاحتياطي الاستراتيجي، فالسوق لا يفتقر فقط إلى الأرقام، بل يفتقر إلى الإمدادات الفعلية المنتظمة.
ويوضح الدكتور أسامة كمال، وزير البترول الأسبق: "لا أعتقد أن هناك تلاعباً مالياً بالمعنى الحرفي، بل هو تلاعب سياسي بامتياز. أمريكا لديها مخزون يتجاوز 530 مليون برميل، ويمكنها ضخ مليون برميل يومياً لمدة عام ونصف. لكن الحقيقة المرة هي أن هذا لا يمكنه تعويض الـ 15 مليون برميل يومياً التي تخرج من الخليج تحت أي ظرف."
ويشير كمال خلال حديثه مع إيجبتك إلى بعد استراتيجي آخر؛ وهو أن هذا النقص يضر بمصالح اقتصاديات «الشرق الأقصى»وهي (الصين، اليابان، كوريا)، وهو ما تراقبه روسيا عن كثب، حيث تحاول الآن تقديم خامها كبديل استراتيجي للخام العربي المحاصر، مستغلة الفوضى الحالية لإعادة ترتيب تحالفات الطاقة العالمية.
بورصة الطاقة: سكون نفسي أم هدوء ما قبل العاصفة؟
على شاشات التداول، يسود نوع من السكون النفسي الحذر، فالأسواق تلقت صدمة الإعلان عن سحب المخزونات وبدأت في امتصاصها، لكن القلق يظل قائماً حول مدة الصمود.
ويحلل جمال الفيومي، خبير أسواق الطاقة، المشهد قائلاً خلال حديثه مع إيجبتك: "هناك نوع من التقارب الآن بين استخدام المخزون الاستراتيجي وانخفاض الطلب العالمي نتيجة الإغلاقات والتوترات، فأمريكا سحبت 174 مليون برميل تكفيها لنحو 20 يوماً فقط في حال الانقطاع الكامل، بينما اليابان فتحت مخزونها ليكفي 6 أشهر، والاتحاد الأوروبي لمدة 90 يوماً."

ويرى الفيومي أن البورصات العالمية الآن في حالة ترقب؛ فإغلاق مضيق هرمز ليس مجرد أزمة عابرة، والاعتماد على المخزونات هو "حل مؤقت" لا يحل معضلة المعروض المفقود، موضحًا أن السعر الحالي الذي يدور حول 103 دولار هو نتيجة لـ حقنة تخدير قدمتها المخزونات، وليس استقراراً حقيقياً.
التداعيات السياسية: الانتخابات فوق الجميع
لا يمكن قراءة هذه التحركات بمعزل عن السياسة الداخلية الأمريكية، فترامب، الذي يواجه ضغوطاً من القاعدة الشعبية بسبب التضخم، يرى في أسعار النفط "ترمومتراً" لبقائه السياسي. فالتدخل في سوق العقود الآجلة، الذي حذر منه جون ماكنزي رئيس تي إم إكس جروب، يمثل مخاطرة كبرى؛ فلو ارتفعت الأسعار رغم البيع الحكومي، ستتكبد الخزانة الأمريكية خسائر بمليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب.
لذا اتهام واشنطن بـ "التلاعب" ينبع من كونها تستخدم أدوات سيادية (الخزانة والاحتياطي) للتأثير في سعر سلعة عالمية، وهو ما تصفه الأسواق بأنه "تدمير لآليات العرض والطلب"، وفقًا لتقارير بلومبرج.
جنينة: تقارير تلاعب واشنطن بالنفط مأزق اقتصادي يبشر بنهاية قريبة للحرب
من جانبه، كشف هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث بشركة "الأهلي فاروس"، عن أبعاد استراتيجية هامة خلف التقارير التي تتحدث عن تدخل الإدارة الأمريكية في سوق مشتقات النفط لخفض الأسعار اصطناعياً.
وأوضح جنينة في تصريحات خاصة لـ إيجبتك أن لجوء واشنطن لمثل هذه التحركات "غير التقليدية" في سوق المشتقات يؤكد حقيقتين لا يمكن تجاهلهما، أولاً، أن أسعار البترول الحالية بلغت مستويات "حرجة" بدأت تضغط على مفاصل الاقتصاد الأمريكي بقوة لا تستطيع الإدارة الحالية تحمل تبعاتها طويلاً.
ثانياً حسب جنينة أن الهدف الأسمى والمحرك الأساسي لتحركات البيت الأبيض الآن هو خفض أسعار الطاقة بأي ثمن، وليس رفعها كما قد يتصور البعض من تأجيج الصراعات.
واستند رئيس قطاع البحوث في الأهلي فاروس"إلى هذه المعطيات الاقتصادية لصياغة توقع سياسي متفائل، مشيراً إلى أن تلاقي النقطتين السابقتين يبعث برسالة طمأنة مفادها أن «عمر هذه الحرب قد يكون قصيراً إن شاء الله».

السوق والبائع الغامض في بورصة شيكاغو
في نهاية المطاف، قد تنجح واشنطن في كبح جماح الأسعار مؤقتاً، لكن الثمن قد يكون أفدح مما تتخيله إدارة ترامب. فالتلاعب بـ ترمومتر السوق العالمي لإخفاء حمّى الأسعار ليس سوى تأجيل للانفجار؛ وبينما يراقب المتداولون البائع الغامض في بورصة شيكاغو، يبدو أن ما يتم استنزافه اليوم ليس فقط الاحتياطي النفطي، بل ما تبقى من ثقة عالمية في نزاهة الأسواق الحرة وقواعدها التي وضعتها أمريكا بنفسها
ويبقى السؤال: هل ستستمر أمريكا في البيع «سراً» من خلال الخزانة؟ أم ستترك السوق يواجه مصيره لتنفجر الأسعار فوق حاجز الـ 150 دولاراً؟.. الأيام القادمة، وحركة السفن في مضيق هرمز، هي وحدها من ستكتب الفصل الأخير في هذا المفترق.