مكاسب روسيا من الصراع الأمريكي الإيراني وتأثيراته العالمية|تقرير
نادرا ما تشهد الساحة الدولية حروب يمكن فيها الحديث عن فائز واضح، فغالبا ما يكون ثمن الصراعات باهظ على الشعوب العادية. ومع ذلك، في أزمات كهذه، تظهر بعض الدول وكأنها تستفيد من الفوضى، مستغلة التحولات الاقتصادية والسياسية لمصلحتها. الصراع الأمريكي الإيراني الراهن ليس استثناء، فهو يعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط ويمنح روسيا فرص استراتيجية غير متوقعة.
التوترات الإقليمية وأبعادها الإنسانية
الحرب والتصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران يحمل تداعيات خطيرة على المنطقة بأسرها. دول الخليج تعيش حالة من عدم الاستقرار. في الوقت نفسه، تؤدي اضطرابات حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز إلى زيادة التكاليف على المستهلكين والشركات على حد سواء، نتيجة ارتفاع أسعار النفط وتأثر سلاسل الإمداد العالمية، وفقًا لوكالة "أسوشيتد برس".

روسيا.. المستفيد الاستراتيجي
يشار إلي أن إيران تمثل شريك رئيسي لروسيا على الصعيدين العسكري والاقتصادي، وعلاقات موسكو مع طهران تعود إلى عقود من التعاون المشترك. فبينما تنشغل الولايات المتحدة في مواجهة التوترات مع إيران وحماية الملاحة الدولية، تجد روسيا نفسها أمام فرصة لتخفيف الضغط الغربي المفروض عليها بسبب حربها في أوكرانيا. الصراع الأمريكي الإيراني لم يعد مجرد أزمة إقليمية عابرة، بل تحول إلى أداة استراتيجية تخدم مصالح موسكو على مستويات متعددة.

بوتين واستراتيجية الأزمات.. من أوكرانيا إلى الخليج
ويعرف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقدرته الكبيرة على تحويل الأزمات إلى فرص استراتيجية، والحرب المتصاعدة في منطقة الخليج تمثل مثال واضح على ذلك.
في بداية العام، أظهر بوتين ثقة عالية في حملته العسكرية الرامية للسيطرة على أوكرانيا، رغم التقدم التدريجي الذي تحقق على الأرض.
لكن في أوائل يناير، وجهت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضربة قوية لمكانة روسيا الدولية، من خلال عملية كوماندوز جريئة أطاحت بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الحليف الاستراتيجي لموسكو.
وعندما اندلعت المواجهات الجديدة في الخليج، بدا أن بوتين في موقف صعب، بعد أن أسفرت الضربات الأمريكية والإسرائيلية عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، أحد أبرز الحلفاء القدامى لروسيا، إضافة إلى تدمير أهداف عسكرية إيرانية. هذه التطورات أثارت شكوك حول مصداقية الشراكة الاستراتيجية التي أبرمتها موسكو مع طهران العام الماضي، والتي بدا أنها لم تتجاوز حدود الورق.

خامنئي الحليف الذي خسرته موسكو
وليس خامنئي هو الحليف الوحيد الذي خسرته موسكو، ففي أوائل ديسمبر 2024، أي قبل أكثر من عام بقليل من الإطاحة بمادورو، سقط نظام الديكتاتور السوري بشار الأسد، وهو آخر حليف روسي قديم في المنطقة.
مع ذلك، ورغم هذه الخسائر والاضطرابات الجيوسياسية، لم يتخل بوتين عن هدفه الأساسي، وهو تفكيك أوكرانيا والحفاظ على النفوذ الروسي في المنطقة. وفي خطوة دبلوماسية مهمة، أجرى بوتين اتصال هاتفي مع ترامب يوم الاثنين الماضي، في أول تواصل مباشر بينهما منذ ديسمبر الماضي.
ووفقا لما صرح به مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف، ركزت المحادثة، التي استمرت ساعة كاملة، على الأزمة الأبرز في ذلك اليوم، وهي الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

إنهاء الصراع في أوكرانيا
لكن المكالمة لم تقتصر على ذلك فحسب، بل شملت أيضًا هدف بوتين الأساسي. إذ أشار أوشاكوف إلى أن الرئيس الأمريكي "جدد التأكيد على رغبته في إنهاء الصراع في أوكرانيا بأسرع وقت ممكن من خلال وقف إطلاق النار لتحقيق تسوية دائمة".
وفي المقابل، أبدى ترامب موقف مختلف قليلا، حيث أكد أن بوتين "يرغب في أن يكون مفيدا" في الشرق الأوسط، مضيفا: "قلت له: بإمكانك أن تكون أكثر فائدةً بإنهاء الحرب الأوكرانية الروسية، فهذا سيكون أكثر نفعا".
رسميًا، أدانت روسيا الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية، وقدم بوتين تعازيه لاغتيال المرشد الإيراني، مع تجنبه توجيه انتقادات مباشرة لترامب، وهو ما لاحظه العديد من المحللين والمراقبين السياسيين على الساحة الدولية.

تاريخ الشراكات والتحولات الجيوسياسية
على مدى العقود الماضية، استفادت روسيا من الخلافات بين واشنطن وطهران لتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط. التعاون العسكري والاقتصادي بين موسكو وطهران، والذي برز بوضوح خلال الأزمة السورية، امتد ليشمل تبادل التقنيات العسكرية.
ومع تحول الانتباه الأمريكي نحو الشرق الأوسط، تستغل روسيا الفراغ الاستراتيجي لتعزيز حضورها العالمي وتأكيد دورها كلاعب أساسي قادر على التأثير في مسار الأحداث دون الانخراط المباشر في الصراع.
تأثير الصراع على أوكرانيا
من أبرز المكاسب التي تحققها روسيا، تشتيت الانتباه الأمريكي والغربي عن الساحة الأوكرانية. تحويل الموارد العسكرية والمالية الأمريكية لدعم حلفائها في الشرق الأوسط يبطئ وصول الإمدادات الحيوية إلى كييف، ما يمنح القوات الروسية أفضلية ميدانية واستراتيجية.
وبحسب مسؤولين أوروبيين، فإن موسكو هي المستفيد الأكبر من هذا الاضطراب الجيوسياسي، إذ يسمح لها بالحفاظ على زخمها العسكري دون ضغوط إضافية.

النفط والاقتصاد.. مكاسب مالية ضخمة
الجانب الاقتصادي للصراع يلعب دور محوري في تعزيز مكاسب روسيا. أي توتر أو تصعيد بالقرب من مضيق هرمز يؤدي مباشرة إلى ارتفاع أسعار النفط، وهو ما يعزز خزينة موسكو ويمنحها موارد إضافية لتمويل آلتها العسكرية.
بالإضافة إلى ذلك، تستفيد روسيا من إعادة توجيه صادراتها النفطية نحو الهند والصين، مستغلة حاجة هذه الدول للطاقة بأسعار تنافسية، ما يقلص فعالية العقوبات الغربية وسقف الأسعار المفروض على صادراتها.
تحصد روسيا أرباح مالية ضخمة نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار النفط الذي شهده العالم بفعل الحرب المندلعة في الشرق الأوسط.
فبفضل هذه الزيادة في أسعار الطاقة، تدر على الميزانية الروسية ما يصل إلى 150 مليون دولار إضافية يوميًا من عائدات مبيعات النفط، مما يضع موسكو بين أبرز المستفيدين اقتصاديًا من تداعيات النزاع الإقليمي.
وتظهر التقديرات الأولية أن روسيا قد جمعت بالفعل مكاسب بقيمة تتراوح بين 1.3 و1.9 مليار دولار فقط من ضرائب صادرات النفط منذ أن أدى الإغلاق الفعلي في مضيق هرمز إلى ارتفاع الطلب على الخام الروسي، خاصة من أسواق مثل الهند والصين.

نقطة انعطاف حاسمة في التوقعات الاقتصادية لروسيا
وحسب حسابات أعدتها صحيفة "فاينانشال تايمز" بالاعتماد على بيانات الصناعة وتحليلات عدد من الخبراء الاقتصاديين، من المتوقع أن تحقق موسكو إيرادات إضافية تتراوح بين 3.3 و4.9 مليار دولار بحلول نهاية شهر مارس. تعتمد هذه التقديرات على افتراض أن متوسط سعر خام ""الأورال" الروسي سيبقى في نطاق 70–80 دولار للبرميل خلال الشهر، مقارنة بمتوسط نحو 52 دولار للبرميل في الشهرين السابقين.
يمثل هذا التحول في الأسعار نقطة انعطاف حاسمة في التوقعات الاقتصادية لروسيا، لأن موسكو قبل اندلاع الأزمة المرتبطة بإيران كانت تكافح أمام تراجع أسعار النفط وفقدان حصة كبيرة من صادراتها إلى الهند نتيجة الضغوط الأمريكية على المشترين.
إلى ذلك، كشف تقرير حديث لوكالة الطاقة الدولية أن صادرات النفط الخام والمنتجات النفطية الروسية انخفضت بنسبة 11.4% في فبراير، لتصل إلى 6.6 مليون برميل يوميًا وهو أدنى مستوى منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا.
هذا التراجع في حجم الصادرات يعكس الضغوط الطويلة على موسكو، لكنه في الوقت نفسه جاء مصحوبا بارتفاع في الأسعار عزز عائداتها الإجمالية. هذه المكاسب تمثل تحولا كبيرا في الوضع الاقتصادي لموسكو، خاصة بعد تراجع صادرات النفط الروسية في فبراير 2026 إلى أدنى مستوياتها منذ بداية الحرب في أوكرانيا في 2022.
التأثير على قطاع الصناعات الدفاعية
الصراع يعمق أيضا من فرص روسيا في قطاع الأسلحة، حيث يبحث عدد من الدول عن بدائل لمعدات الدفاع الأمريكية. استهلاك الحلف الغربي للذخائر والأنظمة الدفاعية يضعف المخزون الإستراتيجي للناتو، ما يعزز موقع روسيا على المدى الطويل ويمنحها نفوذ إضافي في أسواق الأسلحة العالمية.

التوجه نحو عالم متعدد الأقطاب
في النهاية، يمثل الصراع الأمريكي الإيراني نافذة ذهبية لروسيا على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. داخليا، يساهم في استقرار الاقتصاد الروسي وتعزيز الموارد المالية. إقليميا، يرسخ موسكو كشريك موثوق للمحور المناهض للهيمنة الغربية.
دوليا، يسرع هذا الوضع من التحول نحو عالم متعدد الأقطاب، حيث تستخدم روسيا الأزمات الدولية والفوضى الإقليمية كأدوات لإعادة صياغة النظام العالمي بما يخدم مصالحها الإستراتيجية العليا.

