رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

يُعد يسري الجندي (1942 – 2022) رائدًا في "تأصيل" المسرح العربي عبر استلهام التراث الشعبي والسير والملاحم (مثل "حكاية جحا مع الواد قلة" 1970، "الهلالية" 1978، و"علي الزيبق" 1973، و"عنترة" 1977، و"رابعة العدوية" 1980، وغيرها). هدفه هو البحث عن الهوية والحرية من خلال الموروث الفلكلوري وإعادة صياغته برؤية معاصرة. أما محمد سلماوي (1945) فتميل أعماله إلى المزاوجة بين المرجعية الثقافية الغربية والواقع المصري المعاصر. ومسرحه غالبًا ما يتسم بطابع "ذهني" أو "سياسي مباشر"، حيث يناقش قضايا راهنة (مثل مسرحية "الجنزير" 1992 التي واجهت التطرف)، متأثرًا بمدارس المسرح العالمي والعبث.

يعتمد أسلوب يسري الجندي على "الحكواتي" والفرجة الشعبية. ونصوصه ملحمية تميل إلى السرد المتشعب الذي يكسر البناء الأرسطي التقليدي، وتجمع بين التراجيديا والكوميديا الشعبية. أما محمد سلماوي فيميل إلى البناء المحكم واللغة المكثفة. وأعماله تتنوع بين المسرح والرواية والمذكرات والمقالات والترجمة، وغالبًا ما تحمل صبغة "أدبية" رفيعة تسعى لإيصال رسالة فكرية أو سياسية محددة للجمهور.

ركَّز يسري الجندي على البطل الشعبي المهمَّش والبحث عن البطولة المفتقدة في التاريخ والواقع، مع اهتمام خاص بالقضايا القومية كالقضية الفلسطينية (مسرحية "واقدساه" 1984). وانشغل سلماوي بقضايا المثقف والسلطة، والحرية الشخصية، ومواجهة الظلامية الفكرية، مع توثيق سيرة الجيل والتحولات الاجتماعية في أعماله السيرية والروايات.

نستطيع أن نطلق على يسري الجندي "حكَّاء التراث والوجدان الشعبي"، بينما محمد سلماوي هو كاتب الواقع المشتبك مع الثقافة العالمية وقضايا العصر الذهنية. وتربى على مرجعية ثقافية كبيرة من تراث المسرح الغربي بمدارسه المختلفة، واستطاع مسرحه أن يحقق شهرة واسعة واحتفاءً من النقاد. إنه يركز في مسرحه السياسي على الصدام المباشر مع التيارات الفكرية والسياسية المعاصرة.

ونشير إلى نموذج مسرحية "الجنزير" 1992، والتي تُعد من أهم المسرحيات السياسية التي تصدَّت لظاهرة الإرهاب والتطرف في التسعينيات. واتسمت بالجرأة والوضوح، حيث ناقش فيها سلماوي سيكولوجية الجماعات المتشددة وكيفية اختطاف العقول. وهو يعتمد على الواقعية التحليلية؛ ولا يبحث في التاريخ البعيد، بل يضع "المبضع" على جرح اللحظة الراهنة، مستخدمًا لغةً حوارية عصرية ومباشرة تهدف لتنوير الجمهور سياسيًّا.

أما يسري الجندي فيركز في مسرحه السياسي على استخدام الرمز والتاريخ كقناع لنقد الحاضر. وفي مسرحية "واقدساه" 1984، أو "اليهودي التائه" 1972 يوظِّف مأساة فلسطين أو الصراع العربي الإسرائيلي عبر استحضار التاريخ. هو لا يقدم بيانًا سياسيًّا مباشرًا، بل يستنهض البطل الشعبي لمواجهة الانكسارات السياسية. ويعتمد – في أسلوبه – على الملحمية والإسقاط؛ حيث يستلهم شخصيات تراثية ليقول من خلالها ما لا يمكن قوله صراحةً عن السلطة أو الهزيمة، مما يجعل مسرحه سياسيًّا بصبغة "ثورية شعبية".

ونخلص من ذلك إلى أنه بينما يقدم سلماوي "وثيقة سياسية" تواجه أزمات المجتمع الحالية بوضوح المثقف الليبرالي، يقدم الجندي "صرخة سياسية" مغلفة بسحر التراث لتعرية الواقع العربي من منظور قومي شعبي.

ونستطيع أن نقارن بين رواية سلماوي "أجنحة الفراشة" 2011 ومسلسل "الطارق" للجندي، رغم اختلاف الشكلين. فرواية سلماوي تعدُّ نموذجًا فذًّا لـ "الأدب الاستشرافي". وكُتبت قبل ثورة 25 يناير 2011 ونُشرت تزامنًا معها، وتنبَّأت بشكل مذهل بالانتفاضة الشعبية في مصر. ويمزج الكاتب فيها بين عالمين: عالم الطبقة الأرستقراطية والمثقفين، وعالم السياسة والفساد. وهي لا تكتفي بالرصد السياسي، بل تغلفها قصة حب معقَّدة، مما يظهر قدرته على جعل السياسة جزءًا من نسيج الحياة اليومية للأفراد.

أما مسلسل "الطارق" (2004) فهو يؤكد قدرة يسري الجندي على إعادة إحياء الشخصية التاريخية من خلال سيرة القائد "طارق بن زياد" وفتح الأندلس. إنه مسلسلٌ تاريخي تقليدي، ولكن سنلمس من خلاله "رؤية يسري الجندي" في كيفية عرض الصراع بين الحق والباطل، وكيفية صياغة حوارات فصحى تتسم بالقوة والشاعرية. المسلسل يطرح أسئلة سياسية معاصرة حول الوحدة العربية والفتن الداخلية بلسان شخصيات من القرن الثامن الميلادي.

إنه عالم السياسة والأدب والفن الذي نجح في صياغته كل من الكاتبين محمد سلماوي ويسري الجندي بأشكال أدبية مختلفة وقوالب مسرحية وروائية تصل بطريقة سهلة ويسيرة إلى المواطن المصري، فيعرف معناها ويفهم مغزاها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء