رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت


 

يتسم العصر الراهن بحالة من صعود قيم جديدة مرتبطة بمنجزاته الإنسانية والتقنية، وهي قيم مختلفة في كثير من جوانبها عما ألفناه من قيم مستقرة تعارف عليها الآباء والأجداد، فكيف نتعامل مع مسيرة النمو الأخلاقي لأولادنا دون سطوة، ودون تسيُّب أيضاً؟

مما لا شك فيه أن نمط تعامل الآباء مع الأبناء له أثر كبير في دفع مراحل النمو الأخلاقي لديهم أو إحباطه، فعندما تكون تربية الوالدين قائمة على العطف والتفاهم والتشجيع فإنها سوف تؤدي إلى دفع النمو الأخلاقي قدماً. كما أن الارتباط العاطفي بالأسرة خلال هذه المرحلة يؤدي إلى تكيف الأبناء مع المواقف والخبرات الجديدة وتوسيع وتطوير عالمهم الاجتماعي. وهذا الارتباط يحميهم من مشاعر القلق والكآبة والألم العاطفي التي تترافق عادة مع الانتقال من مرحلة الطفولة إلى مرحلة المراهقة. فعلى الوالدين يقع العبء الأكبر في تقبل الطفل وإحساسه بالأمن والأمان واكتساب أولى الخبرات التي توصله إلى التوافق النفسي والاجتماعي، مما يمكنه من تعلم المعايير والأدوار الاجتماعية واستيعابها من خلال الخبرات المباشرة والنماذج الاجتماعية الجيدة، مما يؤدي في النهاية إلى اشتقاقه للقيم الخلقية التي تتلاءم مع ما حصل عليه من خبرات اجتماعية في بيئة سوية.

وإذا كانت الأخلاق هي رصيد الكائن الذي يبلغ تفتحه الكامل، فمن المنطق أن نفكر في أن التربية الأخلاقية نهج مطروح لتتبع تطور الكائن الطبيعي خطوة بخطوة، فمسألة السلوك الأخلاقي تعد بمثابة الركيزة الأساسية التي يقوم عليها أي نشاط إنساني، فهي القوة التي تنظم الحياة الاجتماعية من كل جوانبها التعبدية والتعاملية، فافتقاد الإنسان للسلوك الأخلاقي الطيب ينعكس بصورة سلبية على تعاملاته، فالأخلاق ليست مجموعة من القوانين المجردة بقدر ما هي أسلوب في التعامل مع الأفراد في مواقف الحياة العملية.

وتتسم الأخلاق بأنها لا تنحصر في ميدان واحد واضح ومحدد المعالم من ميادين النشاط الإنساني، حيث إنها ضابطة للعلاقات الإنسانية في أي مجال من المجالات الحياتية للنفس البشرية. فما من ظاهرة من مظاهر الحياة الاجتماعية قبل العلم والفلسفة وغيرها حظيت بتفسيرات متناقضة بقدر ما حظيت به الأخلاق، من حيث تنوع مفاهيمها على امتداد تاريخها الطويل.

وتعتبر الأخلاق قوة دافعة للسلوك والعمل، فالقيم المرغوب فيها متى تأصلت في نفس المتعلم فإنه يسعى دائماً للعمل على تحقيقها، كما أن هذه القيم تصبح المعيار الذي يقيس به أعماله وتوفر عليه الوقت والجهد، وتجنبه التناقض والاضطراب كما تحقق لسلوكه الاتساق والانتظام، بحيث يصبح له من الثبات ما يساعد على التنبؤ بسلوك هذا الفرد في مواقف جديدة.

وباعتبار الآباء هم المصدر الأساسي للأخلاق التي يكتسبها معظم الأطفال، فإن بعض علماء النفس يشيرون إلى أن الآباء الحازمين يسهلون عملية النمو الأخلاقي لأطفالهم أكثر من الآباء المتسامحين والمتسلطين. وبالكاد هذان النموذجان (المتساهل والحازم) يقدمان للأطفال خبرات واقعية ومرشدة للتأثير في نمو هويتهم الأخلاقية.

ولا يخفى ما للمدرسة من دور كبير في رفع مستوى النمو الأخلاقي، وقد تبيّن أن الطلاب لا يكتسبون مستويات جديدة في النمو الأخلاقي بتلقينهم ماذا يفعلون أو محاولة تصحيح سلوكهم بطريقة تقريرية. فقد أثبتت هذه الطريقة عدم فعاليتها لأن النمو الأخلاقي يرتبط بمواقف تنشأ بشكل طبيعي داخل الصف أو في فناء المدرسة أو في أي مكان داخلها. فينبغي على المعلمين أن يجعلوا الطالب يجرب الصراع الأخلاقي، وذلك بوضع قصص أخلاقية ومناقشتها، على أن تكون هذه القصص حقيقية من واقع حياته وليست قصصاً خيالية، وعلى المعلم في المدرسة (كنموذج سلوكي يتقمص الطلاب شخصيته ويقلدونه) يقع عبء آخر في توجيههم وإرشادهم، مما يساهم في دعم القيم الأخلاقية السائدة في المجتمع.

كما ينبغي على المدرسة أن توفّر للطلاب الأنشطة التي تساهم في إكسابهم المعايير والقيم الأخلاقية والاجتماعية المرغوبة، وكذلك على المناهج الدراسية أن تقدم لهم النماذج البشرية الرائدة في سلوكها الاجتماعي وقيمها الأخلاقية. ويستطيع المعلم العناية بتنمية العلاقة الأخلاقية الإيجابية بين الطلاب عن طريق إذكاء روح التعليم الجماعي والتعــاون. والهدف من هذا أن ننتقل بهم من التفكير المتمركز حول الذات إلى التفكير في الآخرين، وتنسيق أعمالهم وأفكارهم مع الغير. إن الاحترام المتبادل والتعاون بين الطفل ومن يحيط به من الكبار يؤثر بشكل كبير في النمو الأخلاقي، فعندما يرى الطفل أن الكبار يخضعون للقواعد والمبادئ الأخلاقية بمستوى خضوعه لها فإنه يعي أن الواجب ليس قوة عمياء كما كان يفهمها من قبل، بل هو من طبيعة عامة وعالمية، فيصبح الواجب أمراً ينبع من الداخل لا أمراً مفروضاً من الخارج، وتصبح القواعد الأخلاقية الخارجية قواعد داخلية مقبولة لديه.

وفي الأخير... لا تكتمل الشخصية الإنسانية بالمهنة والعلم وحدهما؛ وهذا لأن العلم وسيلة مادية لمعرفة الوجود والمهنة وسيلة لكسب العيش. أما الشخصية الإنسانية فهي تعبير عن كيان الإنسان بوجه عام؛ والذات الإنسانية تعبير عن الوجود الاجتماعي والمعيشي. وهكذا يتعلق العلم والمهنة بالفردية، بينما تتعلق الأخلاق بالشخصية. فالشخصية وليدة الأخلاق التي تطبَّق في العلم والمهنة معًا. وإن احترام الشخصية الإنسانية وتحقيقها لا يتمَّان إلا بالفعل الأخلاقي الذي يجعل من الإنسان غايةً في ذاته. وتعتمد الأخلاق على القاعدة الإنسانية التي تجعل شخصية الإنسان أسمى وأجلَّ من قيمته الاجتماعية التي يحيطها بهالة من التبجيل، فالشخصية الإنسانية تعبِّر عن ثقافة الإنسان وترفُّعه، وعن الدرجة التي بلغها في سلَّم التطور؛ وهذا لأن التطور، بعد وجود الإنسان، تطور عقلي وأخلاقي وروحي. وتتجلَّى هذه الشخصية في العمل الذي يعرِّف بها: فهذا العمل إما أن يرفعها وإما أن يحطَّ منها، يدنِّسها أو يقدِّسها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء