رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

غبار لا يهدأ وماكينات لا ترحم.. يوميات عمال المحاجر في المنيا

تقرير.. غبار لا يهدأ
تقرير.. غبار لا يهدأ وماكينات لا ترحم.. يوميات عمال المحاجر

بينما يغط الكثيرون في نوم عميق، تبدأ رحلة شاقة لآلاف العمال في جبال محافظة المنيا، حيث تتحول المحاجر الممتدة شرق النيل إلى مسرح يومي لمعركة قاسية بين الإنسان والصخر؛ هناك في قلب الصحراء، يعمل رجال بسطاء في مهنة تعد من أخطر المهن، بحثًا عن لقمة عيش تخرج من بين طبقات الحجر الجيري الأبيض الذي تشتهر به المحافظة.

بداية يوم شاق قبل شروق الشمس

قبل بزوغ الفجر بقليل، يتجمع العمال في سيارات نصف نقل تنطلق بهم نحو مناطق المحاجر في الظهير الصحراوي، خاصة في مناطق شرق النيل بمراكز سمالوط وملوي وبني مزار، حيث تنتشر محاجر الحجر الجيري التي يعمل بها آلاف العمال يوميًا.

يقول محمد عبد الرحمن، أحد عمال المحاجر بسمالوط، إن العمل يبدأ منذ السادسة صباحًا، حيث يتم تشغيل ماكينات التقطيع والمناشير الضخمة لاستخراج كتل الحجر الجيري، موضحًا أن الجبل لا يعرف الرحمة، وأن أي خطأ بسيط قد يكلف العامل حياته.
ويضيف أحمد حسن، عامل بمحاجر شرق النيل، أن العامل يقضي ما يقرب من 10 ساعات يوميًا وسط الغبار والصخور، مؤكدًا أن العمل في الجبل يحتاج إلى قوة بدنية وصبر كبير لمواجهة قسوة الظروف.

بيئة عمل قاسية ومخاطر متعددة

لا تقتصر المعاناة داخل المحاجر على مشقة العمل البدني فقط، بل تمتد إلى مخاطر صحية ومهنية كبيرة نتيجة استنشاق الغبار المتصاعد من عمليات تقطيع الحجر، والذي يطلق عليه العمال اسم “البودرة”.

ويقول محمود عبد الله، أحد العمال القدامى في محاجر المنيا، إن كثيرًا من العمال يعانون من أمراض صدرية مع مرور الوقت، نتيجة التعرض المستمر لغبار الحجر الجيري دون وسائل حماية كافية.

كما يشير سيد علي، عامل بمحاجر مركز ملوي، إلى أن الماكينات الكهربائية والمناشير العملاقة تمثل خطرًا دائمًا، حيث قد يتعرض العامل لإصابة خطيرة إذا لم ينتبه أثناء العمل، خاصة مع الإرهاق الشديد الذي يصيب العمال مع نهاية اليوم.

حرارة الصيف تضاعف المعاناة

مع دخول فصل الصيف، تتحول المحاجر إلى ما يشبه الأفران المفتوحة، حيث ترتفع درجات الحرارة بشكل كبير فوق سطح الجبل.
ويؤكد حسن عبد التواب، أحد العمال، أن العمل في الظهيرة يكون الأصعب، موضحًا أن العمال يحاولون بدء العمل مبكرًا قدر الإمكان لتجنب حرارة الشمس، لكن طبيعة العمل تفرض عليهم الاستمرار حتى ساعات العصر.

أجور محدودة مقابل مجهود شاق

ورغم المخاطر الكبيرة التي تحيط بالمهنة، يؤكد عدد من العمال أن الأجور لا تتناسب مع حجم المشقة. ويقول رمضان خلف، عامل بمحاجر بني مزار، إن معظم العمال يعملون بنظام اليومية أو بالقطعة، ما يجعل الدخل غير ثابت.

ويضيف عبد الناصر مصطفى، أحد العمال، أن الكثير من العاملين في المحاجر هم العائل الوحيد لأسرهم، لذلك يضطرون لتحمل ظروف العمل القاسية من أجل توفير احتياجات أبنائهم.

المحاجر ركيزة اقتصادية للمحافظة

تعد محاجر الحجر الجيري في المنيا من أهم الأنشطة الاقتصادية بالمحافظة، حيث تعتمد عليها صناعات عديدة مثل الأسمنت ومواد البناء والرخام الصناعي، كما توفر فرص عمل لآلاف العمال في القرى القريبة من مناطق الجبال.

ويؤكد عدد من المختصين أن تطوير منظومة العمل داخل المحاجر وتوفير معدات السلامة المهنية يمكن أن يسهم في تقليل الحوادث وتحسين بيئة العمل، بما يضمن حماية العمال واستمرار هذا النشاط الاقتصادي المهم.

أبطال مجهولون في قلب الجبل

ورغم قسوة الظروف، يواصل عمال المحاجر رحلتهم اليومية مع الصخر، حيث يصعدون الجبل كل صباح حاملين أدواتهم وأحلامهم البسيطة.

وفي نهاية اليوم، يعود هؤلاء العمال وقد غطى الغبار وجوههم وملابسهم، لكنهم يحتفظون بابتسامة هادئة تعكس قوة الإنسان البسيط الذي يواجه قسوة الحياة بإرادة لا تنكسر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء