رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

يُعد الاقتصاد غير الرسمي من أبرز الظواهر الاقتصادية التي تعاني منها العديد من الدول، لا سيما الدول النامية، حيث يشمل جميع الأنشطة الاقتصادية التي تُمارَس خارج الإطار القانوني والتنظيمي للدولة، ولا تخضع للرقابة الحكومية أو للنظم الضريبية والتشريعات الرسمية.

وعلى الرغم من أن هذا النوع من الاقتصاد يوفّر فرص عمل لفئات واسعة من المجتمع، إلا أنه يُشكّل في الوقت ذاته تحديًا، يمسّ الجوانب الاقتصادية، المجتمعية، والأمنية للدولة.

فمن الناحية الاقتصادية، يُلحق الاقتصاد غير الرسمي أضرارًا بالغة بالاقتصاد الوطني، إذ يؤدي إلى حرمان الدولة من موارد مالية كبيرة نتيجة التهرب الضريبي وعدم تحصيل الرسوم المستحقة.

كما يُسهم في تشويه المنافسة داخل السوق، حيث تعمل المشروعات غير الرسمية بتكاليف أقل لعدم التزامها بالقوانين، مما يضعف قدرة المشروعات الرسمية على الاستمرار والنمو.

إضافة إلى ذلك، يُقلّل هذا النوع من الاقتصاد من فعالية السياسات الاقتصادية ويُربك عمليات التخطيط والتنمية، نظرًا لغياب البيانات الدقيقة حول حجم الأنشطة الاقتصادية الحقيقية.

أما على الصعيد الاجتماعي، فيؤدي الاقتصاد غير الرسمي إلى تفاقم مشكلات العمل غير اللائق، حيث يفتقر العاملون فيه إلى الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي وحقوق العمل الأساسية.

كما تنتشر فيه ظواهر الاستغلال، خاصة بين الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال والنساء، الأمر الذي ينعكس سلبًا على الاستقرار الاجتماعي ومستويات المعيشة، ويُعمّق فجوة الفقر وعدم المساواة.

وفي الجانب الأمني، يُمثّل الاقتصاد غير الرسمي بيئة خصبة للأنشطة غير المشروعة، مثل التهريب، وغسل الأموال، وتجارة السلع المقلدة والمحرّمة، كما قد تستغل بعض الجماعات الإجرامية أو المتطرفة هذه الأنشطة لتمويل أعمالها بعيدًا عن أعين الدولة، مما يُهدد الأمن القومي ويُقوّض سيادة القانون.

ويزداد الخطر عندما تتداخل الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية مع شبكات الفساد، مما يُضعف ثقة المواطنين في المؤسسات الرسمية.

وتعود أسباب انتشار الاقتصاد غير الرسمي إلى عدة عوامل، من أبرزها تعقيد الإجراءات الإدارية، وارتفاع الضرائب، وضعف فرص العمل في القطاع الرسمي، إلى جانب انخفاض مستوى الوعي القانوني لدى بعض الفئات، كما تلعب الأزمات الاقتصادية وضعف القدرة على إنفاذ القوانين دورًا مهمًا في توسع هذا النوع من الاقتصاد.

وهناك سبل للمواجهة، تتمثل في عدة محاور منها:

 تبسيط الإجراءات القانونية وتشجيع التسجيل الرسمي عبر حوافز ضريبية وتشريعية، مثل برامج الإعفاء الضريبي لمدة سنوات للمشروعات الصغيرة.

 تعزيز الحماية الاجتماعية لدمج العمال في نظام تأمين يتماشى مع المعايير الدولية.

 استخدام التكنولوجيا لمتابعة الأنشطة الاقتصادية وربطها بالمنظومات الرسمية.

 تعزيز جمع المعلومات والرقابة الأمنية على الأنشطة غير المرخصة يقلل من استغلالها في أنشطة إجرامية.

 التنسيق بين الأجهزة الأمنية والجهات الضريبية والاقتصادية لكشف الشبكات غير الرسمية.

 تشديد الرقابة على المنافذ الحدودية والأسواق العشوائية، للحد من انتشار السلع المهربة والمقلدة.

 تحديث التشريعات الاقتصادية، لسد الثغرات التي يستغلها الاقتصاد غير الرسمي.

 دمج الأنشطة غير الرسمية في الاقتصاد الرسمي، ما يمثل نهجًا وقائيًا يقلل من المخاطر الأمنية.

 الموازنة بين إنفاذ القانون وتحقيق العدالة الاجتماعية.

وعن لغة الأرقام، فعلى الصعيد العالمي، أوضحت منظمة العمل الدولية أن الاقتصاد غير الرسمي يظل المصدر الأكبر للعمالة في العالم، ما يعكس مدى اتساعه وأثره المتصاعد، ففي الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، تصل نسبة العمال غير الرسميين إلى مستويات تُقارب 90%، بينما تنخفض النسبة في الدول مرتفعة الدخل إلى حوالي 15% فقط.

بينما في مصر، تُظهر الدراسات والإحصاءات الرسمية، أن الاقتصاد غير الرسمي يشكل جزءًا ضخمًا من النشاط الاقتصادي الكلي، يصل تقديره في بعض التحليلات إلى حوالي 55% من الناتج المحلي الإجمالي.

ما يعني أن أكثر من نصف الاقتصاد الوطني يمارس خارج نطاق التسجيل القانوني والتنظيمي، وهو ما ينعكس سلبًا على الإيرادات الضريبية للموازنة العامة للدولة، خصوصًا في ظل الضغوط المالية والاحتياج إلى موارد مستدامة.

وفي الختام، فإن مواجهة الاقتصاد غير الرسمي تتطلب رؤية شاملة تجمع بين الإصلاح الاقتصادي والتشريعي، وتبسيط الإجراءات، ودعم المشروعات الصغيرة، وتعزيز الحماية الاجتماعية، إلى جانب تقوية الأجهزة الرقابية والأمنية، فدمج الاقتصاد غير الرسمي في المنظومة الرسمية لا يُسهم فقط في تعزيز النمو الاقتصادي، بل يُعد خطوة أساسية نحو تحقيق الاستقرار الأمني والتنمية المستدامة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء