جيورجيوس سفريس.. شاعر اليونان القومي تعرف على تجربته الأدبية في القاهرة
تمر اليوم ذكرى ميلاد الشاعر اليوناني جيورجيوس سفريس، والذي ولد في 13 مارس 1900، و أصبح فيما بعد رمزًا للأدب اليوناني الحديث وحائزًا على جائزة نوبل في الأدب عام 1963.
ولد سفريس في مدينة إزمير لأب جامعي مشهور بترجمة أعمال لورد بايرون، وهو ما وفر له منذ طفولته بيئة ثقافية غنية وعميقة، شكلت الأساس الذي ارتكز عليه في مسيرته الأدبية.
منذ صغره أظهر ميلًا كبيرًا للأدب والشعر، وتلقّى تعليمه في باريس حيث درس الحقوق والأدب، متخرجًا عام 1924، حاملاً رؤية شعرية وفكرية واسعة. هذه الدراسة في باريس لم تمنحه فقط معرفة بالأدب الأوروبي، بل أتاح له أيضًا الاطلاع على التيارات الثقافية الحديثة والنهضة الأدبية التي كانت تجتاح أوروبا آنذاك، ما أثر على لغته الشعرية وأساليبه الأدبية.
القاهرة.. محطة الإبداع والدبلوماسية
ارتبط اسم جيورجيوس سفريس بمصر بشكل خاص، إذ جاءت القاهرة لتكون نقطة محورية في حياته العملية والأدبية بين عامي 1942 و1944، عندما عمل كملحق صحفي للحكومة اليونانية أثناء الحرب العالمية الثانية.
لم تكن القاهرة مجرد محطة عمل دبلوماسي، بل كانت مدينة حاضنة للتجربة الإنسانية والثقافية، إذ شهد فيها سفريس مزيجًا فريدًا من الحضارة والحداثة، التقاليد والحداثة، ما ترك أثرًا واضحًا على أعماله الشعرية، حيث كتب بعض قصائده عن القاهرة في ديوانه «مذكرات على ظهر سفينة».
هذه القصائد تناولت تفاصيل الحياة اليومية في المدينة، الأسواق، الناس، وشوارعها المكتظة بالثقافات المختلفة، وهو ما أعطى نصوصه بعدًا إنسانيًا وعالميًا يخرج بها من نطاق الشعر اليوناني التقليدي إلى تجربة شعرية أكثر تنوعًا وثراءً.
أعماله الشعرية
بدأ سفريس مسيرته الأدبية بإصدار ديوانه الأول «نقطة التحول» عام 1931، ثم تلا ذلك ديوانه الثاني «البئر» عام 1932، الذي نجح في جذب اهتمام الشباب المثقف آنذاك، خاصة أولئك الذين كانوا يسعون إلى تطوير الشعر والابتعاد عن الأساليب التقليدية المكررة.
وأتى ديوانه الثالث «أسطورة التاريخ» ليؤسس اتجاهًا جديدًا في الشعر اليوناني، موضحًا رؤية فلسفية وتاريخية عميقة، وكان بمثابة تحدٍ للشعر التقليدي ومفتاحًا لعالم جديد من التجربة الشعرية، لاحقًا أصدر عدة دواوين محدودة الطبعات مثل «خزان المياه» و«كراسة التمارين»، وكل واحدة منها تحمل لمسة شخصية فريدة، ويعد ديوانه «مذكرات على ظهر سفينة» الأكثر ارتباطًا بالقاهرة، إذ احتوى على أربع قصائد تعكس رؤية شاعر يعيش تجربة حضرية وثقافية غنية، مستفيدًا من الجو السياسي والدبلوماسي الذي عاشه في مصر.
الدبلوماسية والتجارب الدولية
لم يكن الجانب الأدبي هو النشاط الوحيد لسفريس، فقد تولى مهام دبلوماسية عديدة عبر مسيرته الطويلة، شملت العمل في لبنان وسوريا والأردن والعراق، بالإضافة إلى عضويته في الوفد اليوناني بالأمم المتحدة في نيويورك. هذه التجارب الدبلوماسية أضافت بعدًا عالميًا لشخصيته، إذ تمكن من الاطلاع على أنماط حياة مختلفة وتفاعل مع ثقافات متعددة.
ومع ذلك تبقى فترة عمله في القاهرة الأثرى في حياته، لأنها سمحت له بالجمع بين تجربة الحياة اليومية للمدينة والشأن الثقافي والسياسي، مما انعكس في قصائده وأعماله، وجعلها تحمل طابعًا عالميًا وإنسانيًا في آن واحد. لقد استطاع أن يوظف هذا المزج بين الفن والسياسة ليخلق نصوصًا شعرية متفردة، تعكس تجربة شاعر عاش الحداثة الأوروبية والمشرق العربي في وقت واحد.
ختام مسيرته
توفي جيورجيوس سفريس في 20 سبتمبر 1971 في أثينا، وشيّعت جنازته في موكب شعبي ضخم حضره المثقفون والجمهور على حد سواء، تقديرًا لإسهاماته الأدبية والدبلوماسية التي امتدت عبر عدة عقود. يظل إرثه الشعري والدبلوماسي شاهدًا على شخصية متعددة الأبعاد استطاعت أن تجمع بين الفن والثقافة والسياسة، وأن تعيش تجربة حضرية فريدة في القاهرة لم يكن لها تأثير على شعره وأدبه فقط، بل شكلت جزءًا أساسيًا من رؤيته للعالم.