قلنا أكثر من مرة إن تقصيرًا كبيرًا في مواجهة التطرف حدث بعد أن تركنا الأمر كله على عاتق أجهزة الأمن، بينما ركنت باقي مؤسسات الدولة إلى الراحة، ولم تلعب الدور الواجب عليها في بلد يحارب الإرهاب منذ قرن كامل إلا عامين!!
والسؤال: ما الذي يدفع مواطنًا للتدخل في سلوك مواطن آخر ويحاول معاقبته لإفطاره العلني في رمضان؟!! باختصار، لأن هناك من علّمه ضرورة تغيير المنكر باليد، وهي التي فجّرت الشارع المصري في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، وبلغت ـ لمن لا يعرف ولمن لا يتذكر ـ حدود منع الزوج من السير مع زوجته طالما لا يحملان قسيمة الزواج، ومنع تواجد أستاذ الجامعة مع زميلته أستاذة الجامعة في مكتب أو معمل واحد!!
وبلغت حدود منع الحفلات الجامعية والأفراح وكافة صور البهجة في المجتمع المصري، خاصة في صعيد مصر، وبسببها ذهب النجم الكبير عادل إمام إلى أسيوط ليعرض عملاً مسرحيًا بعد العدوان على إحدى الفرق التابعة لقصور الثقافة هناك وتحطيم أدواتها ومنعها من عرض أعمالها في أيام عصيبة شديدة القرف والبؤس!!
خطورة ما جرى أمس.. استدعاء الفكرة ذاتها.. عودة الفكر المتشدد مرة أخرى.. رغم وضوح موقف الدين الإسلامي من المسألة تمامًا، وهو الذي يبيح التخيير بين الإيمان والكفر أصلًا: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، ويقول عز وجل: (فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر)، ويقول سبحانه: (إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم)، ويقول: (فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون)، ويقول: (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)، وغيرها وغيرها من عشرات الآيات والأحاديث التي تؤكد حرية الناس في الاختيار، وأن العقاب على التجاوز في حق الله في الآخرة ومتروك له وحده.. وبالتالي يكون التعدي بعقاب المفطر هنا تعديًا على حق الله!
الزعم بأن العقاب على المجاهرة وليس على الإفطار في ذاته تلاعب والتفاف على الموضوع، بل عذر أقبح من ذنب.. فالله سبحانه أباح الفطر لحالات عديدة، وهذه الحالات لها حقوق في المجتمع لا يصح مصادرتها، كما أن إظهار الصائمين وكأنهم على هذا النحو من التذمر من رؤية غير الصائمين لا يصح، كما أنه يخالف الحكمة الإلهية من الامتناع عن نواهيه في ظل وجود نواهيه وفي ظل الغواية ذاتها التي نشأت مع الخليقة: (ولا تقربا هذه الشجرة)!
الفرق كبير بين الحرام والأخذ بالرخص وبين الحرام وعدم اللياقة لا تهينوا دين الله العزيز الحكيم.. تعاليمه أكبر من ذلك الجدل، وحكمه تتجاوزه، بما فيها حكمة الصيام، وهو تقوى كله.. وليس عقابًا للناس في نهار الشهر كله!!
من يؤمن بالله فهذه آياته.. ومن يؤمن بغير ذلك فليبلغنا بذلك.. ل يريح ويستريح!